Hero image

التشارك مع الميكروبات لإنقاذ الكوكب

يناير – فبراير | 2026

فبراير 11, 2026

شارك
عندما نفكر في إنقاذ الكوكب من أزماته المتلاحقة تتجه أنظارنا عادةً إلى التقنيات الكبرى، مثل: الطاقات المتجددة، والذكاء الاصطناعي، أو السياسات الدولية. لكن تحت أقدامنا، وفي هوائنا، ومياهنا، وداخل أجسامنا، يوجد جيش غير مرئي يضج بالحياة، ويؤدي دورًا لا يقل أهمية، بل قد يكون أكفأ؛ إنه عالم الميكروبات التي تشمل البكتيريا، والعتائق، والفيروسات، والفطريات، والأحياء الدقيقة حقيقية النوى. وبسبب اعتيادنا ربط هذه الميكروبات بالأمراض، ظل دورها مهمّشًا لعقود طويلة في علوم المناخ والسياسات البيئية، رغم أنها في الحقيقة هي المهندس الخفي للحياة على الأرض. لكن هذا الإغفال بدأ يتغير، مؤخرًا، مع تزايد الأدلة العلمية التي تؤكد أن إنقاذ الكوكب قد لا يكون ممكنًا من دون الاستعانة بها، وهو ما يتطلب إعادة التفكير ليس بوصفها تهديدًا، بل حليفًا إستراتيجيًّا لإنقاذ الكوكب.

يعود استخدام الإنسان للميكروبات إلى حوالي 9 آلاف سنة باستخدام الخميرة، التي هي نوع من الفطريات، في صناعة الخبز. ويُعدُّ ذلك بدايةً للحضارة الإنسانية، كما جاء في مجلة (nature) في 14 أغسطس 2024م. لكن ذلك حدث من دون معرفة الإنسان بوجودها حتى عام 1676م، حين تمكّن العالِم الهولندي أنطوني فان ليفينهوك، من رؤيتها لأول مرة تحت المجهر. غير أن الفهم العلمي لدورها ظل محدودًا حتى القرن التاسع عشر، عندما ربط لويس باستور وروبرت كوخ بينها وبين الأمراض المُعدية. أنقذ هذا الاكتشاف ملايين الأرواح، لكنه أسهم أيضًا في ترسيخ صورة سلبية للميكروبات بوصفها أعداء يجب القضاء عليهم.

تَعزّز هذا التصوُّر في الوعي العلمي والاعتقاد العام على السواء مع تطور الطب الحديث، وبلغ ذروته مع كتاب (Microbe Hunters) لعالم البيولوجيا الأمريكي بول كرويف، الصادر عام 1926م، الذي صوّر تاريخ علم الأحياء الدقيقة على أنها معركة بطولية ضد كائنات قاتلة. ونتيجة لذلك، تركَّزت الأبحاث الميكروبية عقودًا طويلة على مُسبِّبات الأمراض، في حين جرى تجاهل حقيقة أن الغالبية الساحقة منها غير ممرِضة، بل ضرورية للحياة.
 
النظرة تتغيّر

يشير في هذا الصدد الكتاب الجديد (Thinking Small and Large) للكاتب العلمي البريطاني المعروف بيتر فوربس، إلى أن هذا الانحياز نابع مما يُسمّيه "المركزية العاقلة"؛ أي ميل الإنسان إلى فهم العالم من منظور ما يراه ويؤثر فيه مباشرة، متجاهلًا القوى غير المرئية التي تحكم النظام الأرضي.

فقد أثبتت الأبحاث الحديثة أن الميكروبات تمثّل أكثر من 99% من تنوُّع الحياة على الأرض، وتؤدي دورًا محوريًّا في الدورات البيوجيوكيميائية للكربون والنيتروجين والفوسفور. وهي المسؤولة عن إنتاج نصف الأكسجين الذي نتنفسه، وتنقية الهواء والمياه، وتحلل المواد العضوية، وتنظيم المناخ. ويشبِّه العلماء هذا "الميكروبيوم الكوكبي" بالميكروبيوم البشري. إذ كما يؤثر اختلال البكتيريا المعوية في صحة الإنسان، فإن تدهور المجتمعات الميكروبية في التربة والمحيطات والغلاف الجوي يخلّ بتوازن الأرض برمّتها.

التقنيات الميكروبية الناشئة وإمكاناتها الكبيرة

أدَّت المعرفة بأهمية هذه العلاقة التشاركية، نتيجة الأبحاث الكثيفة في السنوات القليلة الماضية، إلى ظهور طفرة في التقنيات الميكروبية اليوم في كافة أنحاء العالم وفي مختلف الحقول.


بسبب قدرتها على تنقية الهواء وتحليل البلاستيك إلى رصد أماكن التلوّث البحري، صار علم الميكروبات من أعمدة العمل المناخي.

تنقية الهواء

في الدنمارك، طوّر باحثون في جامعة آرهوس تقنيةً مبتكرةً تعتمد على بكتيريا لتحويل ثاني أكسيد الكربون المنبعث من مداخن المصانع إلى وقود ومواد كيميائية مفيدة. إذ تستغل البكتيريا ثاني أكسيد الكربون مصدرًا للكربون، وتحوّله بوجود الهيدروجين إلى مواد مثل حمض الخليك، وغيره من المركبات المفيدة لصناعات عديدة، وفقًا لما نُشر في مجلة (nature communications) بتاريخ 29 أغسطس 2024م.

كما طوّر العالمان الأمريكيان جينيفر دودنا وجيل بانفيلد، طريقةً لمعالجة غاز الميثان الضار الذي يصدر عن الماشية، باستخدام تقنيات التحرير الجيني. وأعلن العالمان في أبريل 2023م عن مبادرة "هندسة الميكروبيوم باستخدام كريسبر لتحسين المناخ والصحة"، التي تهدف إلى تعديل الميكروبات المنتجة للميثان في أمعاء الماشية باستخدام تقنية (CRISPR–Cas)، ما قد يؤدي إلى خفض دائم لانبعاثات الثروة الحيوانية. وتمتد التطبيقات المحتملة إلى الزراعة، وإزالة الملوثات، وحتى استخراج عناصر سامة مثل اليورانيوم من المياه الجوفية، وذلك وفقًا لبحث نُشر في مجلة (Nature) بتاريخ 1 يونيو 2023م.

وتمكَّن عالم البيوتكنولوجيا الأمريكي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا كريس فواكت، من هندسة بكتيريا تربة قادرة على تثبيت النيتروجين الطبيعي في الأرض الزراعية بكفاءة عالية، واستبدال جزءٍ مهمٍّ من الأسمدة الصناعية الملوثة للبيئة. ووفق ما ورد في نشرة المعهد في فبراير 2025م، طُبّقت هذه التقنية على مئات آلاف الهكتارات، وأسهمت في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مع الحفاظ على إنتاجية المحاصيل، مما يفتح الباب أمام زراعة أكثر استدامة وأقل تلويثًا.


البلاستيك: من نفايات إلى موارد

ومن التقنيات الميكروبية البارزة تلك التي تحلُّ مشكلة التلوث البلاستيكي المتفاقمة والخطرة جدًّا. فقد اكتشف علماء في كينيا نوعًا من البكتيريا تعيش في أمعاء يرقات الحشرات تُعرف بـ "دودة الدقيق الصغرى"، قادرة على إنتاج إنزيمات تكسر بلاستيك البوليسترين (الستايروفوم)، وهو من أكثر أنواع البلاستيك صعوبة في إعادة التدوير. وأظهرت دراسة التي نُشرت في مجلة (Conversation)، أنه عندما تغذّت اليرقات على خليط من البلاستيك، تمكّنت من تحليل نحو 11.7% منه خلال شهر فقط.

كما طوّر باحثون صينيون نوعًا "حيًّا" من البلاستيك يتحلّل ذاتيًّا بفضل أبواغ بكتيرية مدمجة في بنيته؛ والأبواغ هي حالة خاصة تدخلها البكتيريا عندما تتعرض لظروف غير ملائمة.
واستخدم علماء يابانيون بكتيريا تستمد الطاقة من خلال أكسدتها للهيدروجين، ثم تحوّل ثاني أكسيد الكربون إلى بلاستيك قابل للتحلّل حتى في البحار الباردة، مما يسهم في تعزيز الاقتصاد الدائري وخفض الانبعاثات الكربونية على نطاق عالمي مستدام. وقد عرض الباحثون تقنيتهم في جناح اليابان بمعرض "إكسبو 2025م" في أوساكا.
 

بطارية حيوية

وفيما يتعلق بالطاقة البديلة، كشف باحثون من الأكاديمية الصينية للعلوم عن تطويرهم لبطارية حيوية مصغّرة تعمل ببكتيريا حيّة حققت كفاءة عالية مع قدرة على الشحن الذاتي تصل إلى عشر دورات. تعتمد البطارية على بكتيريا (Shewanella oneidensis)، القادرة على نقل الإلكترونات، والمغلفة بهلاميات حيوية. صحيح أن هذه البطاريات أقل قدرةً من بطاريات الليثيوم التقليدية، إلا أنها خالية من المعادن النادرة والمواد السامة، وتتميز بالاستدامة والتوافق الحيوي. وقد أظهرت التجارب استقرارًا طويل الأمد وقدرةً على تحفيز الأعصاب، ما يفتح آفاقًا لاستخدامها في الطب الحيوي، والأجهزة القابلة للارتداء، وحلول الطاقة النظيفة المستقبلية، كما جاء في موقع (Visionary Science).
دورها الصحّي

طوّر باحثون من جامعة واترلو في كندا طريقةً لتحويل بكتيريا شائعة في الأمعاء البشرية إلى "مصانع حيوية" عالية الكفاءة لإنتاج جسيمات نانوية طبية. فقد أعاد الفريق هندسةَ هذه البكتيريا لزيادة إفراز الحويصلات الغشائية البكتيرية (وهي فقاعات مجهرية تنفصل عن الغشاء الخارجي وتتواصل مع البكتيريا الأخرى) بمقدار 140 مرة دون استخدام مواد كيميائية. وتمتلك هذه الجسيمات إمكانات كبيرة في توصيل الأدوية، وتطوير اللقاحات، وعلاج السرطان، واضطرابات مثل التهاب الأمعاء. وأظهرت التجارب قدرتها على تحفيز المناعة والوصول المباشر إلى الأمعاء. وبذلك تفتح هذه التقنية آفاقًا لعلاجات أكثر استدامة وفعالية، وفقًا لما ورد في نشرة "الجامعة" بتاريخ 9 أبريل 2025م.

ومن جانب آخر، وفي محاولة لمواجهة أزمة مقاومة المضادات الحيوية، طوَّرت شركة فرنسية ناشئة نماذج ذكاء اصطناعي يستخدم العاثيات، وهي فيروسات تهاجم البكتيريا الممرِضة بدقة عالية، بدل الاعتماد على منهجية التجربة والخطأ الشائعة. وتمكّنت الشركة من بناء بنية تحتية متقدمة ونماذج تنبؤية فعّالة. تركّز الشركة حاليًا على صحة الحيوان، الذي يستهلك معظم المضادات الحيوية، مع طموح للانتقال إلى العلاج البشري قريبًا، وتقديم بديل مستدام ودقيق للمضادات التقليدية.

مكافحة التلوث البحري

وفي روسيا، طوّر علماء في معهد موسكو للفيزياء والتكنولوجيا مجسّاتٍ حيويةً حيةً لرصد التلوث البحري في القطب الشمالي، عبر تحويل بكتيريا شائعة مثل (E. coli) و(Bacillus subtilis) إلى كواشف سامة متوهجة. وعُدّلت هذه الميكروبات وراثيًّا لتُصدر ضوءًا مرئيًّا عند ملامسة السموم، مما يتيح كشف التلوث بصريًّا. وقد اختُبِرت هذه التقنية على رواسب بحرية في أعماق تُراوح بين 35 و300 متر في بحار (بارنتس، وكارا، ولابتيف)، وسمحت بتحديد توزيع السموم بدقة. وتمثّل هذه المجسّات أداة واعدة لمراقبة النظم البيئية، وفهم تراكم الملوثات، والتنبؤ بالأخطار البيئية في المناطق النائية، وفق ما جاء في صحيفة "البرافدا" بتاريخ 24 يوليو 2025م.

بداية الفعل العالمي

إضافة إلى ما تقدَّم، وتعزيزًا لهذا التوجُّه العالمي، شهدت واشنطن انعقاد الاجتماع الإستراتيجي العالمي الأول حول الميكروبات وتغيُّر المناخ في مايو 2025م. وأسفر الاجتماع عن إطلاق تحالف عالمي يهدف إلى ترسيخ عِلم الميكروبات بوصفه أحد أعمدة العمل المناخي. وحدَّد المشاركون أربع أولويات: بناء ائتلاف عالمي، وإدماج الميكروبات في السياسات المناخية، وتطوير أساليب التواصل العلمي، وتنفيذ مشروعات تطبيقية تُظهر الأثر الحقيقي للحلول الميكروبية.
هذه المبادرات والابتكارات هي مؤشرات قوية على أننا بدأنا الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل نحو إنقاذ الكوكب.

 

 

أمين نجيب: كاتب من لبنان.

كيف صنعت الميكروبات عالمنا؟ وكيف يمكنها إنقاذه؟