
ففي المملكة، وعلى امتداد مساحتها، نجد تباينًا في التضاريس يتبعه تباين في الطقس والمناخ، ولكل منطقة طابع خاص تعايش معه أهله وأنتجوا فنًّا مناسبًا له. وباختلاف إيقاع الحياة بحسب هذا التنوع، تختلف طرق الأداء والآلات المستخدمة. فالرعاة، مثلًا، يستخدمون آلات تختلف عن آلات أهل الساحل والمدن.

فن العرضة.
ترتبط الموسيقى بالكلمة لدى الإنسان العربي، وقد أعطت الموسيقى للكلمة بُعدًا جديدًا من الأحاسيس والمشاعر ارتبطت بحياة العربي في فرحه وحزنه وانتصاراته وانكساراته. وقد انعكس ذلك على الفنون الأدائية التي رفدت الأغنية السعودية بفنونها وأدائها. كما أنه في قديم الزمان، اتّبعت القبائل في الجزيرة العربية طُرقًا متنوّعة لبث الرعب في الأعداء، وكان أبرزها استخدام الغناء بنبرات مختلفة، وبمصاحبة رقصات محدَّدة توارثتها الأجيال، حتى أصبحت اليوم فنًّا شعبيًّا معبرًا عن كل منطقة. ومن أشهر الفنون الأدائية الشعبية التي استلهمتها الأغنية السعودية: فن العرضة والسامري من فنون المنطقة الوسطى، والربابة من فنون المنطقة الشمالية، والقادري والهيدة من فنون الأحساء، والفنون البحرية في المنطقة الشرقية، وفن الخطوة أحد فنون المنطقة الجنوبية.
لم ينفصل المجتمع السعودي عن العالم تأثّرًا وتأثيرًا، خاصةً منطقة الحجاز التي هي ملتقى عالمي، يتوافد إليها الناس من مختلف الثقافات. ويتعزز التلاقي الثقافي والفني في المملكة عمومًا والحجاز خاصة؛ لأنها من المناطق الجاذبة للعمل لأناس من مختلف الجنسيات. وقد أسهم انتقال الفنون الغنائية، التي تشمل الأداء والغناء والحركة بمختلف أنماطها ورقصاتها المصاحبة، في تطوُّر الفنون الغنائية الناشئة في أنحاء السعودية، وتطوُّر الوافد منها مُتخذًا صورًا مختلفة من الأداء والتواتر.
إلى جانب ذلك، كان لمجاورة بعض دول الخليج لأقاليم مثل إيران والهند، والتنقل بين تلك البلدان، وحركة تجارة اللؤلؤ، وتوافد أعداد كبيرة من التجّار وغيرهم من إفريقيا والنوبة وزنجبار، أثرٌ في امتزاج الثقافة الشعبية في منطقة الخليج بألوان شعبية مختلفة، كفن الطنبورة والليوة ذات الأصول الإفريقية. وكذلك حال بعض الآلات الموسيقية الشعبية كالمنجور والصرناي.
ثم انتقلت الفنون الشعبية من محيطها المرتبط إلى آفاق أوسع؛ إذ تشرّب الفنانون السعوديون التراث وهضموه، وظهر ذلك جليًّا من خلال الأغنية السعودية التي اعتمدت على الثيمة التراثية والشعبية؛ لكونها الأقرب إلى قلوب الناس.
في نهاية الثلاثينيات، بدأت أولى خطوات مؤسس أول مدرسة موسيقية حديثة في السعودية: الموسيقار طارق عبدالحكيم، الذي تنتمي معظم أعماله في مرحلة ما قبل تأسيس الإذاعة إلى الموروث الغنائي المعتمِد على النموذج الشرقي الشعبي والتراث اليمني. كما عُرف عبدالحكيم مُلحّنًا ومغنيًا من خلال أغانيه الشهيرة، مثل: "يا ريم وادي ثقيف"، و"عند النقا"، و"يا لابس الإحرام". ولا يمكن أن نُغفِل دور مطلق الذيابي المُلقَّب بـ"سمير الوادي"، الذي كان شاعرًا وملحنًا ومغنيًا، إلى جانب عمله مذيعًا منذ عام 1955م.

الملحن عمر كدرس والفنانة ابتسام لطفي.
ثم تلا ذلك عددٌ من التجارب الفنية، ومنها تجربتان نسائيتان مهمّتان: تجربة الفنانة ابتسام لطفي، وقبلها تجربة الفنانة توحة. وهاتان التجربتان تستحقان تسليط الضوء عليهما إنسانيًّا وفنيًّا ومجتمعيًّا؛ فوجود المرأة في الساحة الفنية في ذلك الزمان كان تحديًا كبيرًا. ومن الناحية الفنية، يمكن الحكم على هاتين التجربتين الفنيتين، بحيادٍ، بأنهما من أنجح التجارب في الفن السعودي، على الرغم من تباين الاتجاه الفني بينهما. فبينما اتجهت توحة إلى التراث والفن الشعبي لتجدد فيه، اتّجهت ابتسام لطفي إلى التحديث في الأغنية، حتى إنها كانت محطَّ أنظار الملحِّنين العرب الكبار في تلك المرحلة، فلحّن لها رياض السنباطي أغنية "وداع"، وأشاد بصوتها محمد عبدالوهاب.

المطربة توحة.
أسهمت الإذاعة في تشكيل هوية الأغنية السعودية وانتشارها باعتبارها مؤسسة منتجة ترعى الفن وتُوجِّهه. كما نقلت الأغنية من المناطقية إلى الوطنية، ومن الارتجال إلى الاحتراف. كما أسهمت في تقديم الأصوات المهمة في الأغنية السعودية، مثل طلال مداح ومحمد عبده وغيرهما، في فترة الستينيات وما يليها.

الفنان الراحل طلال مدّاح.

الفنان بشير حمد شنّان.
وأفرزت هذه المرحلة مجموعة أصوات لها طابع "النجومية"، نظرًا لمستوى المهارة النغمية، كما في حالة بشير شنّان، وطاهر الأحسائي، ومطلق دخيل.
ظهر عديد من التجارب المتفرّدة في الأغنية السعودية، من أبرزها تجربة الفنان عيسى الأحسائي، التي اتسمت بخصوصية عالية؛ إذ مثّل الاتصال الحي بين العصر الذهبي للغناء الخليجي الأصيل وبين الحاضر. كما أن صوته القوي وأداءه العفوي جعلَا من أغانيه تراثًا شفويًّا يتردَّد على ألسنة العامة، وأصبح هناك تصنيف يختص بالفنانين بحسب التوجه التعبيري ومستواه.
وهناك تجربتان غنائيتان لا يمكن المرور بهما دون توقف، وهما تجربتا "عمر كدرس" و"سراج عمر". وهذا الثنائي كان له دور بارز في تحويل المشهد الموسيقي السعودي وتطويره، وذلك بالجمع بين الأصالة والحداثة، وإيجاد صيغة فنية مُقنِعة من خلال دمج العناصر الموسيقية التراثية، مثل إيقاعات السامري وغيرها، في أنماط عالمية معاصرة.
“
تراكم أجيال من الملحنين والشعراء والمغنّين يوصل الموسيقى السعودية إلى العالمية، ويحفظ لها هويتها ضمن الحداثة.
شهدت المملكة في السنوات الأخيرة تحولًا ثقافيًّا عميقًا جعل مجموعة واسعة من البدائل الترفيهية ممكنة، وشهدت أيضًا نموًّا في مشهد الموسيقى والترفيه الذي يجمع بين الطابع التقليدي والحداثة، تأكيدًا على رؤية 2030 وتشجيعها للفنون والثقافة. وكانت الذروة في تأسيس "الأوركسترا والكورال الوطني السعودي" التي تأسست في عام 2021م، وتعمل تحت مظلة هيئة الموسيقى التابعة لوزارة الثقافة على تعريف العالم بالموسيقى السعودية، وأحيت حفلات عديدة في عدد من المدن العالمية، مثل: باريس ونيويورك ومكسيكو سيتي.

حفل "روائع الأوركسترا السعودية" في باريس.
ختامًا، يمكننا القول إن الأغنية السعودية هي ظاهرة ثقافية واقتصادية تنتقل من النجاح المحلي إلى التأثير الإقليمي والعالمي، محافظة على هويتها في قلب الحداثة، ومستفيدة من الدعم غير المسبوق لتصبح المملكة رائدة في المشهد الفني. كما أن هنالك توجه قوي لإحياء الألوان الغنائية القديمة، ولكن بإنتاج موسيقي حديث، مما يخلق مزيجًا فريدًا يجذب الأجيال الجديدة والقديمة. وتمثل الأغنية السعودية رحلة مذهلة من التمسك بالهوية إلى الانفتاح على العالم. لقد تحوَّلت من فن محلي إلى صناعة ثقافية واقتصادية ضخمة، تثبت أن الإبداع عندما يلتقي بالدعم والرؤية، يمكنه أن يصل إلى آفاق لا حدود لها.
لقد تشكّل هذا التراكم عبر أجيال من الملحنين والشعراء والمطربين، ومن الفنون الشعبية إلى المدارس الموسيقية النظامية، ومن أشرطة الكاسيت إلى المنصات الرقمية والمهرجانات العالمية. واليوم، يمكننا الحديث عن "بصمة سعودية" في الموسيقى، بات المتخصصون والمهتمون قادرين على تمييزها، لتستمر الأجيال الجديدة في تطويرها وحملها نحو آفاق أوسع، مع الحفاظ على جذورها العميقة في الأرض والإنسان والتراث.
خليل إبراهيم المويل: فنان وباحث في علم الصوت والموسيقى من السعودية.
