Hero image

الترجمة: في الإعادة والتشارك

متعب فهد الشمري

يناير 28, 2026

شارك

 
"لماذا نعيد ترجمة الأعمال الإبداعية في الأدب؟" هذا سؤال قديم ملح. وقد نجد مَن يستهجن هذا النوع من الترجمة برمَّته، ويرى أن الأولوية لأعمال أخرى (حديثة وكلاسيكية) تنتظر نقلها إلى العربية، ومنهم من يراها مجرد "لعبة نشر"، بحسب تعبير عبدالسلام بنعبد العالي؛ إذ "تنتظر بعض دُور النشر سقوط حقوق الترجمة كي تنقضّ على ما سبق أن تُرجم وتعيد ترجمته". وهناك من يُرجع السبب إلى نفاد الطبعات القديمة من المكتبات، أو أن تلك الطبعات كانت مترجمة عن طريق لغات وسيطة يرى فيها القارئ الحديث انتهاكًا لأصل العمل، وفقدانًا للحميمية الثقافية واللغوية التي تتصف بها ترجمة العمل مباشرة من لغته الأم، أو أن العمل كان مترجمًا ابتداءً بطبعات مختصرة، مثل بعض الأعمال الإبداعية ذات الوزن الثقيل: "دون كيخوت"، و"البؤساء" و"موبي ديك"، و"البحث عن الزمن المفقود"، وغيرها.

 ويرى آخرون أسبابًا لغوية ومنطقية بعيدة عن الحسِّ التجاري. فمن جانب بناء النص اللغوي وإتقانه والتحكّم فيه من خلال الترجمة، يرى علماء اللغة ضرورةً في إعادة ترجمة تلك الأعمال الخالدة بين حقبة وأخرى (يوصي الكثيرون منهم بمدة لا تزيد على نصف قرن)، فهم يرون أن اللغة في تحوّل وتغيّر مستمرين. ففي كل يوم، هناك "كلمات تشيخ، وكلمات تموت، وكلمات تولد"، على حدِّ تعبير العلّامة المُعجمي علي القاسمي. كما أن من الألفاظ والكلمات ما يكتسب بعض المعاني الجديدة، أضف إلى ذلك الميل إلى استعمال السياقات والتعبيرات في استخدامات حديثة مختلفة تمامًا عن سابقاتها. وهناك فريق يرى أن الأسلوب اللغوي القديم المملوء بالسجع والمحسنات البلاغية والبديعية، لم يعُدْ اليوم ملائمًا لروح عصر السرعة الذي يتطلَّب الكلمةَ الرشيقة، والعبارةَ القصيرة، والنَّقلةَ الخفيفة. ويرون أن شباب اليوم قد لا يتذوَّقون ترجمةً صِيغت، قبل نصف قرنٍ أو أكثر، بلغةٍ تبدّلت وتغيّرت. ولا ننسى ما يعتري بعض الترجمات القديمة من أخطاء يمكن تصنيفها بأنها "فاضحة"، لا فادحة وحسب.

لكن، يجب التأكيد على أن إعادة الترجمة معمول بها في كثير من اللغات، الحيَّة منها على وجه الخصوص، بل إنه يُعمل بها في مُددٍ زمنيةٍ أقل مما لدينا. فالترجمة "تشيخ" بذاتها، ولا بدَّ من التجديد فيها؛ شرط عدم تعرّض النص الأصلي لقراءات جديدة، أو تأويلات متحوّلة في كل مرة.

فوائد الترجمة المشتركة

ومن الأمثلة البارزة على التجديد في الترجمة وآليات العمل بها، وجود ما يُعرف بـ "الترجمة المشتركة أو التعاونية" (collaborative translation). فمن المعروف ما يمرُّ به المُنتَج النهائي للترجمة من مراحل عديدة قد يظهر بعضها للمتابع والقارئ، فيما تعبر أخرى دهاليز مخفية تحت ظروف ومعايير دقيقة. ومعروفة كذلك الصعوبات التي تحيط بهذا العمل الشاق، فضلًا عن الإحباطات والمثبّطات التي يعانيها المترجمون في كل مرحلة من مراحل العمل من أجل الخروج بانطباع جيد عن النصوص.

 لكن، قد يجد المترجم بعض العزاء في الاشتراك مع الآخرين في إخراج المنتج "الترجمي"، إن جاز التعبير. فالترجمة الفردية لا تنتهي بإرسال النص المطلوب إلى الناشر، أو حتى الاكتفاء بمراجعته؛ بل سيجد بانتظاره المُدقّق، والمراجع، والمحرّر، والمؤلف أحيانًا، فضلًا عن جمهور القرّاء والنقّاد الذين سيطّلعون عليها، ويناقشونها، ويدرسونها. من أجل ذلك كلّه، يلجأ بعض المترجمين إلى من يتضامن معهم من الزملاء لإضفاء شيء من الدعم والطمأنينة على سير العمل الذي سيجني المترجم من ورائه مكاسبه. أضف إلى ذلك بعض الفوائد الدائمة، مثل زيادة الدقة: إذ تساعد الرؤى المتنوعة من المتخصصين في التقاط الفروق الثقافية الدقيقة وتوحيد المصطلحات ووضع الكلمات في سياقها الصحيح. كما يتقلّص "الإطار الزمني"؛ إذ يسمح تقاسم أجزاء من العمل بأريحية أكبر لإنجاز العمل بكفاءة. ويكفي هنا أنه يطرد كابوس "الموعد النهائي" (deadline) لتسليم الترجمة، الذي يُقلق معظم المترجمين ويطاردهم. وكل ما سبق، يمنح المترجم الخبرة الجماعية، وتوسيع الرؤى والآفاق، والراحة في تسيير العمل، وهو ما يعزّز جودة الترجمة بوجهٍ عام.

 وتحضر هنا تجربة حديثة وناجحة في الترجمة التشاركية، تتمثَّل في المترجم العراقي أحمد عزيز سامي وزوجته المترجمة سارة أزهر الجوهر؛ إذ نقلا عديدًا من الأعمال الإبداعية معًا، نذكر منها: "إنكار الموت" لإرنست بيكر، و"أنا ديناميت" عن حياة الفيلسوف الألماني نيتشه لسو بريدو، والعمل الضخم "ملعون بالشهرة" لجيمس نولسون، الذي يحكي حياة صامويل بيكيت. ويقول أحمد عزيز سامي إنهما في الوقت الراهن لا يفكّران في إنجاز ترجمات منفردة: "فالعمل معًا يكسبنا مهارات متبادلة في التعامل مع النصِّ، كما أن هناك متعةً كبيرة في عملنا المشترك. وأعتقد أننا نشكل ثنائيًّا جيدًا ومتناسقًا تمامًا". 

ويمكن أن يكون للترجمة المشتركة شكلٌ آخر أكثر موضوعية عند البعض، وذلك من خلال تشارك المترجم العربي مع مُستعرب أو مُستشرق تكون لغته الرئيسة غير مطروقة على نطاق واسع ومباشر في عالم الترجمة العربي، مثل: الروسية والصينية واليابانية والإيطالية، مقارنةً باللغتين الإنجليزية والفرنسية، وبدرجةٍ أقل الألمانية والإسبانية. هذا التشارك يزيد من قوة العمل وموثوقيته، ويُزيح كثيرًا من المفاهيم الغامضة في ثقافة اللغة الأصلية عند المترجم، حتى وإن اقتصر دور ذلك المُستعرب على التحقيق والتدقيق والمراجعة فقط دون الترجمة. وفي هذا السياق، يمكن الرجوع إلى الكتاب المُهم "جهود المستشرقين في التراث العربي: بين التحقيق والترجمة" للدكتور محمد عوني عبدالرؤوف وآخرين، الصادر في ثلاثة أجزاء.

 

 

متعب فهد الشمري: كاتب ومترجم سعودي.