
هل آن لنا أن نفزع، كما فزع "مارميلادوف" في المشهد الإنساني المؤثّر في "الجريمة والعقاب" من افتقار الإنسان إلى وجود مكانٍ يذهب إليه، أو إلى صديقٍ أو شريكٍ يستعيد معه الشعور بالحياة عند اللجوء إليه؟
لطالما قدّرتْ الثقافاتُ المختلفة الصداقةَ بوصفها علاقةً إنسانية سامية، تروم تقاسم الخيرات وتسعى إلى تحقيق حياةٍ خيّرة تتشكّل فيها الذوات ضمن إطارٍ مشترك. فالصديق هو ذلك الملجأ الذي نذهب إليه، وهو الآخر الذي لا ينفصل عن الذات، والذي يتجلّى حضوره، خصوصًا، حينما تظهر هشاشتنا. ولذلك نجد المثل "الصديق وقت الضيق" حاضرًا بِصيَغٍ متعدّدة في ثقافات مختلفة. فمفهوم الخير المشترك، وبناء المعنى عبر مشاركة الحياة بكل تقلباتها، كانا من صميم الثقافة التي تُنتج حياةً أكثر استقرارًا.
لكن العلاقات الإنسانية تخضع لبُنًى اجتماعية تُعيد تشكيلها. ولذلك، تواجه الصداقة اليوم تهديدًا حقيقيًّا يتمثّل في إخضاعها لمنطق الانتفاع البحت، حيث تُقاس بميزان المنفعة واللذة المباشرتين، ضمن قواعد استهلاك تُعيد تعريف ما ينبغي أن يُحافَظ عليه وما يمكن الاستغناء عنه.
تحت وطأة هذا المنطق، يضعف حضور الصديق بوصفه مساحة التقاء وجداني وإنساني، ليحلّ محلّه صديقٌ يُختزل في أنه شريكُ لحظات المتعة العابرة. وبهذا المنطق، يتقاسم الأصدقاء أوقات الفراغ والمشاركة في الاهتمامات المتبادلة، دون أن تتشكّل بينهم، بالضرورة، التزامات تتجاوز تلك المشاركة اللحظية.
وعندها، يقاس حضور الصديق بقدرته على إنتاج البهجة، ويُستبعد حين يفقد الأهلية للقيام بذلك الدور. وكأن ثمّة شرطًا ضمنيًّا لتلك العلاقة، وهو أن تكون خالية من الأعباء، وذات مردودٍ لحظيٍّ يلائم الحاجة الآنية لرفع الدوبامين.
في هذا السياق، يمكن فهم اتساع استخدام مصطلح "العلاقات السامّة"، ليأخذ دلالة أبعد من الأذى المباشر الذي قد يسبّبه أحد الطرفين. وبات تصوير العلاقة بـ "السُّميّة" يُستخدم عندما يعبّر صديقٌ عن شعوره بالقلق، أو الألم، أو الخيبة والإحباط في لحظة ما من لحظات هشاشته. فكل ما يعكّر صفو التجربة قد يُعاد تعريفه بوصفه استنزافًا، ويُختزل صاحبه إلى عبءٍ ينبغي التخلّص منه حفاظًا على "سلامة" الذات.
وفي سياق خضوع العلاقات الإنسانية لمنطق اللذّة الآنية والاستهلاك، تضعف الشبكات الاجتماعية المحيطة بالإنسان، وينحسر الدور التقليدي للصديق، وتُفهم مشكلاته بوصفها حالات فردية خاصة ذات طابعٍ تقنيٍّ يمكن التعامل معه عبر خبراتٍ متخصصة. وهكذا يتحوّل ما كان يُعاش داخل نسيجٍ من العلاقات، إلى حالات معزولة تُحال إلى المختصين، ويغدو الخبيرُ، سواءً كان خبيرًا ماليًّا أو خبيرًا في التغذية أو معالجًا نفسيًّا أو مدرب حياة، المرجعَ الطبيعي لمعالجة ما فقد سياقه الإنساني.
ومع ذلك، لا يمكن التنكُّر لأهمية هذه الحقول في معالجة بعض التعقيدات التي أفرزتها الحياة المعاصرة، ولا التنكّر لأهميتها في التعامل مع اضطراباتٍ نفسية ذات أبعاد عصبية تستدعي تدخلًا متخصصًا. غير أن الخبير، بحكم طبيعة اشتغاله، يؤدي دورًا وظيفيًّا يمنح الاعتبار للمشكلة ضمن حدود تخصصه، فيقرأ الإنسان من زاوية محدَّدة، ويقترح حلولًا تنتمي إلى ذلك الإطار.
ولكن الإنسان، بطبيعته، أعقد من أن يُختزل إلى مجموعة من المشكلات المنفصلة التي يمكن تحسينها أو ترشيدها ليُعاد تأهيله للمضيّ في حياته. فهو لا يستقر فقط عبر تدخلات تقنية أو وصفات جاهزة، بل من خلال تفاعله الطبيعي مع غيره، حيث تُتبادَل المشاعر، ويتأكد حضوره في العالم، ويهدأ قلقه الوجودي. ذلك القلق الذي لم يُعالَج عبر التاريخ بالمعرفة التقنية وحدها، بل عبر ما اعتاده البشر، لقرونٍ، من تواصلٍ إنسانيٍّ حيّ، يولّد الحكمة إلى جانب العلم، ومن ثَمَّ تتشكّل حياةٌ بشرية تحتضن الإنسان بكافة أبعاده، بدلًا من التعاطي معه ككائنٍ متشظٍّ، أو اختزاله في بعدٍ نفسي أو اقتصادي أو فيسيولوجي.
ولا يمكن معالجة موضوع الصداقة بمعزلٍ عن هذا الكل، فمثل هذه المقاربة تقوم على التجزيء ذاته الذي قد يُنتج الإنسانَ المتشظي. ولكن يمكن النظر إلى حياتنا بوصفها وحدة متصلة، لا يتحقّق استقرارها عبر المطالب الآنية، وإنما تتشكل مما نسعى إليه ونبنيه على امتداد العمر. والعلاقات في صميم هذا البناء، والصداقة مِن أبرز تجلياته؛ فهي لا تُكتسب دفعة واحدة، وإنما تتطلب بناءً مستمرًّا بوصفها جزءًا من الحياة ذاتها.
لو قُدِّر لـ"مارميلادوف" أن يشهد لحظاتنا، فأغلب الظن أن فزعه لن تبدّده كثرة أماكن الخبراء، ولا كثافة العلاقات التي تقترحها وسائل التواصل الاجتماعي، وإن أطلقت مفردة "صديق" على مستخدمٍ أمام شاشة أخرى، يسعى بدوره إلى استهلاكٍ لحظيٍّ لحضور مستخدمٍ يشاركه سطحيًّا تعليقًا عابرًا. لعلّ لحظتنا الراهنة تتطلّب التفكير في وضعنا الإنساني، وإعادة الاعتبار إلى مجمل حياتنا بوصفها وحدة متكاملة، والتفكير في ذواتنا لا على طريقة الأجزاء، وإنما ذاتًا واحدة لها وجودٌ يشدّها نحو معنًى تُشيّده مع آخر. وأن حياتنا هي ما نشيّده من علاقات ومشاعر، وأن البحث عن علاقات ناجزة ومشاعر معروضة للاستخدام الفوري، قد يضاعف فزعنا.
محمد الشافعي: كاتب سعودي.