Hero image

علامات التجديد في الرواية السعودية المعاصرة

يوليو – أغسطس | 2026

يونيو 29, 2026

شارك

يتزايد الاهتمام بأسئلة التجديد ومشكلات التعبير الفنية في الرواية العربية والسعودية المعاصرة؛ وهو اهتمامٌ وثيق الصلة بهواجس وأسئلةٍ تتعلق باللغة وأسلوب الكتابة، وبقضايا أدبية وفنية ونقدية تشغل بالنا جميعًا، قرّاءً وكتّابًا. وكذلك يمتد هذا الاهتمام ليشمل تقنيات الكتابة، ومشكلات التعبير الفنية، وطرق استخدام الضمائر واللغة في الحوار، وصولًا إلى أسئلة حول الحبكة والمغزى والهدف والرسالة والمعلومة المخبّأة والمادة الإنشائية الطويلة. كل هذا يرتبط بتطور الوعي النقدي، وهو ما يحتّم الاهتمام بالتكثيف والإيجاز وتعميق المشاهد والحالات؛ وهي أسئلةٌ مهمّة إذا أردنا أن نكتب فنًّا يترك أثرًا وليس مجرد كتابة عابرة.
الوعي بهذه الأسئلة يدفع الكاتب إلى العمق وحذف الزوائد الإنشائية، التي تثقل النص بمادة متكلّفة في الغالب، ليصل بلغةٍ بسيطة وممتعة إلى الناقد والقارئ العادي على حدٍّ سواء. ومثل هذا النوع من الكتابة قليل؛ لأنه نوعي ورفيع، وفيه بصمة الكاتب وحدَه.

 والحبكة عنصرٌ مهمٌّ، لكن الحبكة التقليدية الصارمة تقود إلى نمطٍ متكرر ومتشابه بآليةٍ واضحةٍ في كثير من الروايات العربية، التي تعتمد البحث عن موضوع كبير واحد ومقصود؛ لتبدأ منه الرواية وتنتهي وكأنه خط لا تحيد عنه في وصف طويل، تتحرّك في حدوده المرسومة، وتمضي الحكاية أو السرد مضبوطة على ميزانه، عبر خطٍّ زمني مستقيم يتجه نحو نهاية محدَّدة وصارمة.
لكن النص الروائي الحديث يقود الحبكة إلى مجموعة من المشاهد السردية التي تحرّكها الذاكرة نحو أفقٍ واسع وحيوي، ومفتوحٍ على كل الاحتمالات الفنية والموضوعية كما في قصيدة النثر. حتى في سيناريوهات المسلسلات والأفلام الحديثة، نرى هذا التضاؤل في الاهتمام بالحبكة التقليدية؛ ليس لأن الحياة في حقيقتها اليومية غير محبوكة بصرامة، بل ربّما لأن من شأن هذه الحبكة الصارمة أن تعوق التدفُّق الحُر للرواية وأسئلتها وتأملاتها وتربطه بشروط مسبقة. 
لكل كتابة معنى ومغزى وهدف، لكن رواية التجديد تخلت عن المغزى أو الهدف الواضح؛ فهي لا تنطلق من معنى معين، أو قضية، أو رسالة، أو نتيجة تستهدفها، ثم تأتي الكتابة في فصول الرواية لتبرهن عليه وعلى أهميته. هذا الأسلوب التقليدي يحيل النص إلى شيء مقصود ومتكلّف، يوحي بأن العمل الأدبي أو الفني يحمل رسالة محددة من أجل القارئ؛ ولهذا أصبحت مثل هذه الرسائل أو المعاني أو الموضوعات مكررةً ومتشابهة في الروايات.
الكاتب أرنست همنغواي في أعماله مثل "الشيخ والبحر" و"ولا تزال تشرق الشمس"، كان من أهم الكتَّاب الذين جدّدوا مفهوم الرواية وحوّلوا أحداثها إلى حياة حقيقية دون تكلّفٍ أو افتعال، وبأسلوبٍ يعتمد حذف ما يعرفه القارئ والإبقاء على ما يجهله، مع التركيز على الحوارات الحية. وهو أستاذ اللغة "البرقية" المتدفِّقة، ونظريته التجديدية في الكتابة ترتكز على أعمدةٍ جوهرية، أهمها: التكثيف، والحذف، والبساطة التي تقود إلى العمق، منتجةً ما يُعرف بالسهل الممتنع. 
ومن يقرأ رواية "المكان" للكاتبة الفرنسية آني إرنو، يشعر أن انقلاب الرواية الفرنسية على الرواية التقليدية لم يكُن لمجرد التغيير. روايةٌ مكثفة وعميقة بعيدة عن الإنشاء والوصف والإطالة، وتركّز على كشف واقع الشخصيات ونفسياتها وهمومها وأسئلتها، وليس على حكاية تنشد التشويق والإثارة الاجتماعية فقط على طريقة الروايات البوليسية.

نقلة على المستويات الفنية

حقّقت بعض روايات الجيل الجديد العربية والسعودية، التي صدرت في السنوات العشر الأخيرة، نقلةً نوعية في مستوياتها الفنية، عن طريق اللغة المُكثَّفة والمقطّرة بأسلوبٍ بسيط فيه عمقٌ وجمال، وفيه محاولة رصد المشاعر العميقة للشخصيّات دون تكلّفٍ ومبالغات، ودون أحمالٍ إنشائية زائدة تعوّدناها كثيرًا، أو صفحات استرسال وتفسير بلا داعٍ، ودون قصدية موضوعية مباشرة ونبرة صوت عالية، ودون موضوعات كبيرة مبالغٍ فيها، لكنها بإبداعٍ حاولت استخراج الفرادة والجمال من المشاهد والمواقف والموضوعات العادية والمألوفة. 

قبل هذا الجيل العربي، تُعدُّ رواية "وردية ليل" للكاتب إبراهيم أصلان، وجميع أعماله في القصة والرواية، من العلامات المهمة التي انطلقت منها محاولات التجديد العربية. وهو من أوائل الكتَّاب العرب الذين خرجوا عن النهج التقليدي وجدّدوا في الأسلوب، وخرجوا عن الخط والنمط المتكرر، وقدّموا اقتراحات جمالية مبدعة حاولوا فيها أن يكون النص الأدبي ممتعًا وموجزًا من دون أحمال زائدة ودون عبارات إنشائية لا تخدم قيمة العمل ومعناه. 
ومن الروايات السعودية التجديدية تبرز نماذج عديدة، في مقدمتها رواية "حجرة" للكاتبة أمل الفاران؛ وهي روايةٌ متجدّدة في الإيجاز والتكثيف، وفي رصدها لأدق المشاعر الإنسانية وأعمقها، إضافةً إلى اللغة الهادئة والممتعة بلا تكلّف. وهذه أول رواية عربية أو سعودية حديثة وجديدة يشعر القارئ بعد الانتهاء منها بأنها عمل أدبي مكتوب بمستوى الروايات العالمية الرفيعة، في أجواءٍ مشحونةٍ بالتكثيف والعمق، تُصدّر مشاعرَ تُطبق على الأنفاس؛ لتَخلِّيها عن عناصر فنية تقليدية تحدُّ من انطلاقها نحو كشف حالات التأمل والأسئلة والقلق في داخل شخصياتها، وكل هذا كان بهدوءٍ من دون نبرات صوت عالية وبمشاهد تتجلّى فيها خصوصية الحالة والمكان والزمان مثل بصمةٍ لا تتكرّر.

 

فهد العتيق: قاص وروائي سعودي.