
جاء في تقرير المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) أن العالم في سنة 2023م، قد أنتج 9,511 فِلمًا. ولكن اللافت أنَّه على الرغم من هذا الكم من الأفلام التي تصدر سنويًا، تجد أن هناك من يختار العودة إلى مسلسلٍ أو فِلم شاهده من قبل.
والعديد من هذه الحالات يمكن تفسيرها بما يُعرف بـ"النوستالجيا" أو الحنين إلى الماضي، وهي حالةٌ نفسية يعبّر فيها الإنسان عن اشتياقه لفترةٍ سابقة؛ فتتحوّل المسلسلات والأفلام، حتى الأغاني، إلى "بوّابات زمنية" تشعره بأنه قادر على مقاومة التغيّرات. قد يكون السفر عبر الزمن مستحيلًا، إلا أننا نلجأ إلى النوستالجيا لنستحضر نسخنا القديمة من أنفسنا، ويمكن ملاحظة ذلك، مثلًا، في "ترند 2016" المنتشر الآن على مواقع التواصل الاجتماعي، الذي يعيد إحياء تفاصيل ذلك العام. وعندما يطرق الشتاءُ أبوابنا، فلا بدّ أن أغلبنا كرّر مشاهدة فِلم "وحيد في المنزل" (Home Alone). نحن لا نريد من هذه المشاهدة المتكررة معرفة مصير "كيفن" مع اللصوص، بل نريد من تفاصيل الفِلم استدعاء طفولتنا التي شاهدنا فيها الفِلم أوَّل مرةٍ مع العائلة، تحت بطانيةٍ دافئة، ومع الحليب والبسكويت.
البحث عن الألفة والأمان
قد يعيد البعض مشاهدة فِلم أو مسلسل لمجرد أن اختيار فِلم جديد سيكون مرهقًا ذهنيًّا، ولكن أحيانًا يرتبط هذا السلوك بتفسيرٍ أعمق؛ إذ يشير أستاذ علم النفس المعرفي الفخري بجامعة أوتربين، روبرت ن. كرافت، في مقالته على (psychologytoday.com) إلى أن تكرار مشاهدة الأفلام والمسلسلات سلوكٌ نفسي مرتبط بالذاكرة والأمان العاطفي والإدراك. فعندما يكرّر الإنسان مشاهدة عملٍ مألوف لا يعود إلى القصة نفسها، بل إلى الحالة النفسية المرتبطة بها؛ إذ تمنحه المعرفة السابقة بالأحداث شعورًا بالسيطرة والراحة، كما أن التكرار يعزّز التعلّق بالشخصيات عبر ما يُعرف بـ"العلاقات شبه الاجتماعية"، حيث يشعر الفرد بالألفة تجاه أبطال يدرك تصرفاتهم مسبقًا.
ومن منظورٍ اقتصادي، يشير باحثون من جامعة كوستاريكا، بالإستناد إلى دراسات سابقة أن صناعة الترفيه تروّج لهذا التكرار عمدًا بهدف الحفاظ على تحقيق أرباحٍ مستمرة. ومن أهم الأساليب التي تستخدمها شركات الإنتاج "التعددية"، وهي أن يُعاد تجاريًّا تدوير الأعمال السابقة، مثل: إنتاج أجزاء جديدة أو إعادة تصوير أعمال قديمة. ويشير الباحث جيسون ميتيل في كتابه (Complex TV: The Poetics of Contemporary Television Storytelling) إلى أن بعض الأعمال الحديثة تُصنع أصلًا بطريقةٍ تشجّع المشاهد على العودة إليها مرارًا وتكرارًا، سواءً لاكتشاف تفاصيل جديدة أو لإعادة تجربة اللحظة نفسها، وهو ما يصنع قيمةً اقتصادية تستثمر فيها شركاتُ الإنتاج.
خوارزميات المنصّات الرقمية
تتعامل منصات البثّ مع سلوك "تكرار المشاهدة" بوصفها عنصرًا اقتصاديًّا؛ إذ جاء في مقالة نشرتها صحيفة (The Varsity) بعنوان "الاقتصاد الكامن وراء تجديد المسلسلات الناجحة" (The Economics Behind Renewing Hit Shows)، أن منصّاتٍ مثل "نتفليكس" تتبنّى مقاييس معينة لاختيار الأعمال التي تستحق الاستمرار، مثل معدّل المشاهدة ومؤشر الكفاءة ومدى التأثير، علمًا أن هذه المقاييس لا تعتمد على عدد المشاهدات فحسب، بل على قدرة العمل على جذب المشتركين وإبقائهم داخل المنصة لفترات طويلة. ولهذا تحوّلت أعمالٌ، مثل "أشياء غريبة" (Stranger Things)، من مسلسل ناجح إلى علامة تجارية تضم منتجات وأعمالًا مشتقة وتجارب ترفيهية متنوعة، وهو ما يدل على أن "تكرار المشاهدة" يُعدُّ جزءًا من دورة الربح في اقتصاد البثّ الرقمي.
تكرار المشاهدة.. الاستثمار الذي يبيض ذهبًا
تسويقيًّا، تُعدُّ تكلفة جذب عميلٍ جديد أعلى من تكلفة الحفاظ على عميلٍ حالي، وهو أمر لا يغيب عن شركات الإنتاج الفنّي؛ فبدلًا من البدء في مشروعٍ جديد كليًّا، بفكرة مبتكرة وشخصيات مختلفة واستوديوهات ومواقع تصوير مكلفة، تختار الاستمرار في إنتاج عملٍ أثبت نجاحه مسبقًا وقدرته على البيع، وهو ما يضمن لهم أرباحًا مستدامة ومخاطرةً أقل؛ لأنهم يراهنون على ولاء جمهور يعلمون سلفًا أنه يرغب في تكرار المشاهدة.
بل أصبح سلوك تكرار المشاهدة ركيزةً رئيسةً تعتمد عليها شركات الإنتاج لتحقيق أرباح طويلة المدى، فكلما امتلك العمل قابلية إعادة المشاهدة زادت قيمته التجارية. ويمكن ملاحظة ذلك في أعمال عربية، مثل "باب الحارة" الذي تحوّل من مجرد مسلسل رمضاني إلى مشروع استمر ثلاثة عشر جزءًا، معتمدًا على تعلّق الجمهور بالحنين المرتبط به، على الرغم من الانتقادات التي رافقت استمراره، خصوصًا بعد خروج الممثلين الرئيسين.
في نهاية المطاف، هناك وجهان لإعادة مشاهدة الأعمال الفنية، ولا يمكن تجاهل أيٍّ منهما: فهي من جهة تمنحك شعورًا بالأمان في أوقاتٍ يبدو فيها العالم ضبابيًّا، ولكنها من جهة أخرى، قد تتحوّل إلى حاجزٍ يعيقك عن اكتشاف أعمال جديدة تستحق المشاهدة، بل قد تصبح وسيلةً للهروب من مواجهة المشاعر الحقيقية بدلًا من معالجتها. وما قد يبدو قرارًا عفويًّا، هو في الوقت نفسه عنصر اقتصادي لمنظومة تستثمر في حنينك إلى الماضي. وفي كل مرةٍ تعيد فيها المشاهدة، فإنك تُقلل الأخطار المالية لشركات الإنتاج، وتدفعها نحو الاستمرار في إعادة إنتاج أعمالٍ أثبتت سلفًا أنها ناجحة.
ضي المغامس: كاتبة سعودية.