Hero image

هل نملك ذائقتنا؟

ابتسام المقرن

مارس 10, 2026

شارك
في السنوات الأخيرة، صار التشابه سمة لافتة في تفاصيل حياتنا اليومية، وكأننا نملك قائمة موحّدة للأشياء التي نود شراءها وقراءتها ومشاهدتها. هل هو الخوف من خوض تجارب فاشلة؟ أو تذرّعنا بالزمن المتسارع الذي لا يمنحنا الوقت الكافي لاتخاذ قرارات وخيارات خاصة بنا، ويدفعنا إلى اعتماد خيارات الأصدقاء، ثم نتوسع قليلًا حتى نثق باختيارات بعض المشاهير والمؤثرين الذين حوّلوا ذائقتهم الشخصية إلى مُنتجٍ يمكنهم بيعه والاستفادة منه؟

تتشكّل الذائقة داخل سياق اجتماعي واسع، وما نعدُّه ذوقًا شخصيًّا هو في كثير من الأحيان نتيجة تراكم طويل من التعرض والتكرار. وتترسخ مع الوقت هذه الخيارات بوصفها اختياراتنا الشخصية، ويصعب الفصل بينها وبين ما يعبّر عن ذواتنا بصدق.

وحين نقول التعرض الطويل، فليس بالضرورة أن يكون على مدى زمني طويل، يكفي أن نشاهد هذا المنتج عشرات المرات يوميًّا، حتى يراودنا شعور بأننا نريد تجربته أيضًا، وأننا لسنا مختلفين عمّن حولنا. فنقع في مصيدة "الهبّة" أو "الترند"، سواء باختيارنا أو باختيار المحيطين بنا من أصدقاء وأبناء يدفعهم فضولهم لتقليد أقرانهم، بحثًا عن شيء مشترك يضمن بقاءهم ضمن مجموعة. ومع أن الجميع يتغنّى بالفردانية، والاحتفاء بالاختلاف والتميّز، فإن هناك مؤشرات تؤكد أن الحاجة إلى الانتماء لا تزال حاضرةً بقوة، تعمل بصمتٍ داخل اختياراتنا اليومية، حيث نرغب أن نكون متميزين دون أن نكون معزولين.

إمكانية تطوير الذائقة الشخصية

جميعنا يعلم أنه يمكن تنمية الذائقة الشخصية وتطويرها نتيجة التفاعل الطويل بين الفرد وبيئته، وهو ما يبرّر اختلافها الطبيعي الذي بات مثلًا نردّده: "لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع". ومع هذا التشابه الذي نتحدث عنه، هل فعلًا بارت بعض السلع، أو نُحّيت جانبًا لأنها غير مطلوبة حاليًا؟ يمكن ملاحظة ذلك في كثير من نواحي الحياة، سواء الملابس أو نمط الأثاث، أو ألوان السيارات. والأمر نفسه يطول كذلك الكتب التي نقرؤها والأفلام والمسلسلات التي نشاهدها، وحتى المأكولات والمشروبات؛ إذ تتراجع العلاقة الحسية المباشرة مع الطعام وتقصر المسافة بين التذوق بوصفه خبرةً شخصية والاستهلاك بوصفه استجابة عامة.

 غياب دور النقد

في ظل هذا المشهد، يبرز غياب النقد عاملًا حاسمًا بخصوص مستوى الذائقة. فالنقد يضطلع بدور الوسيط الذي يفتح مساحات للفهم والمساءلة. وحين يتراجع النقد، سواء النقد الأدبي أو الفني أو الاجتماعي، فإن الذائقة ستُترك ليتصدّرها "الترند" وهبّات "تك توك". فالنقد يمنح الذائقة الأدوات التي تمكّنها من النمو والتطور، فتصبح الآراء سريعة وانطباعية ومرتبطة باللحظة، ممّا يحول النقاش إلى ملاحظات عمومية، أو شخصنة: أنت معي أو ضدي. وغياب النقد أو حصره في المتخصصين، لا يعني غياب التقييم، فالملاحظُ وجودُ حرصٍ كبير على التقييم، حتى ظهرت مؤخرًا فئة مُعتمَدة رسميًّا لمقيّمي الكتب! والسؤال المطروح: ما أدوات هذا التقييم؟ وما معاييره؟ هل يقيس التأثير؟ أم سرعة الانتشار وعدد إشارات الإعجاب؟ وهل يقبل الاختلاف عن السائد؟ أم تتشكّل حساسية مفرطة تجاه الرأي المختلف؟ وهذا ليس دعوةً للاختلاف لمجرد الاختلاف، ولكنها دعوة لأن يثق الشخص برأيه وذائقته. وفي هذا السياق، تبدو مقولة أوسكار وايلد: "معظم الناس هم أناس آخرون، آراؤهم آراء شخص آخر، حياتهم تقليد وعشقهم اقتباس". وكأنه يصف ما نعيشه اليوم في عصر الشبكات الاجتماعية التي يُستنسخ فيها الرأي تمامًا، فقط ليركب الموجة حتى وإن كان برأي شخص آخر. فمن الطبيعي أن نتأثر بالآخرين ونستأنس بآرائهم، فهذه طبيعة بشرية، ولكن الإشكالية في تحولنا إلى رأي واحد ونمط واحد وشكل واحد وصوت واحد، كما يبدو في المسلسل الشهير الذي أنتج مؤخرًا (Pluribus).

خلاصة الأمر أن ذائقتنا هي مرآة ذواتنا ووعينا وإدراكنا وعلاقتنا بالآخرين. نعيش أحيانًا وكأننا في متاهة مرايا؛ صور متكررة للشخص نفسه، ونقنع أنفسنا بأن لدينا مساحات واسعة من الخيارات، في حين نتحرك داخل إيقاع السائد و"الترند". وهنا يعود السؤال: هل نملك ذائقتنا فعلًا؟ أم نكتفي بإدارتها ضمن ما هو مألوف ومقبول؟
 

 

ابتسام المقرن: كاتبة سعودية.