.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
نعيش زمنًا تتحول فيه الثروة إلى أثر ذهني يُستخرج من طبقات الوعي عوضًا عن طبقات الأرض. المناجم غادرت الجبال واستقرت في الجيوب، أما الهاتف الذي نحمله فيعمل كأداة تنقيب هادئة تحفر في الرغبات وتعيد قياس الانتباه وتفكِّك لحظات الاختيار. في كتاب "عصر رأسمالية المراقبة" (The Age of Surveillance Capitalism) تشرح شوشانا زوبوف كيف تحولت التجربة الإنسانية إلى مادة خام للاقتصاد الرقمي. حيث يندمج الإنسان في هذا المسار باعتباره منتجًا للأثر، كما ينساب حضوره الرقمي داخل دورة توليد قِيمةٍ تتشكل في الخلفية. فكل تفاعل يترك بصمة، وكل بصمة تدخل في شبكة حساب واسعة تعيد تعريف معنى المُلكية والوجود.
تشير هذه القراءة إلى تحوّل يمس بنية السلطة ذاتها. فالتجربة الإنسانية، بعفويتها وترددها واندفاعها، تدخل في منطق اقتصادي جديد. فكل نقرة، وكل عملية بحث، وكل توقف أمام صورة يتحول إلى أثر. ومن ثَمَّ فكل أثر يُعاد تشكيله في صورة بيانات، وكل بيانات تصير توقعًا قابلًا للبيع. وهكذا تنخرط الحياة اليومية في دورة اقتصادية تعمل في الخلفية بثبات، لتُعيد تنظيم العلاقة بين الإنسان والتقنية، وتحوّل تفاصيل العيش العابر إلى عناصر قابلة للحساب والتداول.
في مطالع التحوُّل الرقمي برزت خدمات وديعة ومغرية: رسائل تصل في لحظتها، خرائط تكشف الطرق، اتصال يعبر المسافات، وصور تتحرك بلا انتظار. المشهد المُعلن وعد باليسر والانفتاح، وفي العمق جرت عملية هادئة لالتقاط السلوك وتجميع الإشارات. تراكبت البيانات كما تتراكب طبقات جيولوجية، ورُسمت خرائط دقيقة للميول والرغبات. وعند تلك النقطة تبدّل مركز السؤال؛ انصرف الاهتمام إلى ما يمكن أن يحدث، وإلى الاحتمال الذي يسبق الفعل ويهيّئ مساره ويوجه إيقاعه.
التحول الأعمق يتجسد في انتقال النظام من قراءة السلوك إلى توقعه ثم توجيه مساره. الخوارزميات تنسج طبقة خفية تعيد ترتيب العالم المعروض أمام الوعي، فتزيد قابلية خيار للظهور وتضعف حضور آخر، وتعيد تنسيق المشهد وفق حسابات التفاعل والعائد. إذ يتكون الواقع الرقمي عبر هندسة دقيقة تصوغ مجال الرؤية، وتوزع درجات القرب من مركز الانتباه. وهكذا يصبح الاختيار تجربة تتحرك داخل إطار مرسوم سلفًا، حيث يتقاطع الاحتمال مع التصميم، ويولد الفعل من شبكة توقعات محسوبة بدقة عالية.
الانتباه، الذي ارتبط طويلًا بباطن الذات ومساحتها الخاصة، أصبح عنصرًا مدرجًا في جداول السوق. والزمن المقضي أمام الشاشة تحول إلى أصل قابل للتقييم، وحتى لحظات السكون الرقمي صارت ذات دلالة اقتصادية. كما أن التردد بين خيارين يصبح إشارة تُفكَّك وتُقاس وتُدمج في نماذج توقعية. فالسوق إذ يتعامل مع الأفعال، يتفاعل مع احتمالاتها، ويستثمر في هندسة اللحظة التي يوشك فيها القرار أن يتشكل، قبل أن يعلن نفسه في صورة اختيارٍ واعٍ.
مع انتشار الأجهزة الذكية، تجاوز الاستخراج حدود الشاشة إلى تفاصيل الجسد. كالموقع الجغرافي، وأنماط النوم، وعدد الخطوات، ونبرة الصوت؛ عناصر يومية دخلت في شبكة الحساب. وهكذا تمدد الاقتصاد الرقمي إلى البنية الدقيقة للحياة. حيث المنزل الذكي، والسيارة المتصلة، والساعة القابلة للارتداء تشكل نقاط رصد متواصلة تحوّل العيش ذاته إلى بيانات قابلة للتسييل.
في هذا الأفق تتكاثف السلطة داخل مراكز رقمية عالية الكثافة والتأثير. الخدمات تُعرض في صورة انفتاح ويسر، إلا أن المجال العام يُعاد تركيبه عبر خوارزميات تمنح أولوية لما يثير الانفعال ويستدعي التفاعل. وكذلك تتقاطع الحسابات الاقتصادية مع الإيقاع السياسي، وتتمدد السوق نحو الحيز الرمزي حيث تُصاغ المعاني وتُرتّب الأولويات. وهكذا يتشكل فضاء مشترك تحكمه معادلات خفية، ويصبح توزيع الرؤية والاهتمام فعلًا من أفعال السلطة المضمرة في بنية التقنية.
الصورة تنطوي على طبقات متداخلة من التعقيد. فقد فتحت التقنية آفاقًا واسعة للمعرفة والتخصيص والاتصال، ووسّعت قدرة الإنسان على الوصول والتأثير. إلا أن هذا الاتساع استدعى سؤالًا أخلاقيًّا يمس جوهر العلاقة بين الفرد وبياناته، وبين الحرية وحدود الاستخدام. حين تتحول التجربة الإنسانية إلى مورد اقتصادي قابل للاستثمار، ويصبح تنظيم هذا المورد قضية تتصل بالكرامة والاختيار الواعي. والحوكمة هنا تتجاوز الإطار القانوني، وتمس تعريف الإنسان لذاته داخل شبكة تتقاطع فيها القيمة مع المعنى.
اللحظة الراهنة تفتح مشهدًا يتنازع فيه تصوران للمستقبل: تصور يرى في الانتباه مادة أولية قابلة للاستخراج والتدوير، وآخر يعمل على إعادة تموضع الإنسان في قلب البنية التقنية. وبينهما يتحدد مسار العالم الشبكي. حيث تتصل الحرية بكيفية تشكّل الخيارات قبل ظهورها، وبالشروط التي تسمح للوعي أن يراها وأن يختار من بينها. وإدراك السياق الذي تُصاغ فيه البدائل يصبح شرطًا للسيادة على الذات، ومعيارًا لقياس المسافة بين التوجيه والاختيار.
يقف الإنسان في لحظة مفصلية تتقاطع فيها مسارات الوجود المادي والرقمي. وبذلك يغدو حضوره في الشبكات امتدادًا مكثفًا ليومه العادي، ومع كل خطوة افتراضية تتراكم آثار تحمل قيمة قابلة للتداول. إذ صار الأثر شكلًا جديدًا للثروة، يُقاس ويُحلل ويُعاد توظيفه. وفي هذا المشهد يتجه السؤال الفلسفي نحو صون إنسانية التجربة داخل منظومة تحكمها حسابات الربح وتسارع الخوارزميات. ومن هنا ينفتح أفق التفكير في مستقبل يتطلب وعيًا أعمق بعلاقة الإنسان بطوفان التقنية.
محمد العباس: كاتب وناقد سعودي.