
في خضمّ الفوضى العارمة للوجود المعاصر، حيث تتشتت الحياة وسط ضجيج العالم الرقمي والضياع الوجودي، يبرز عملان مُلهمان يُثيران مسألة شوقنا الفطري إلى المعنى، وهما: كتاب "غريزة الأهمية" للفيلسوفة ريبيكا نيوبيرغر غولدشتاين، وكتاب "الأهمية" للصحفية جينيفر بريني والاس. يتلاقى الكتابان عند مفهوم "الأهمية"، ذلك الدافع الإنساني الفطري لاستحقاق الاهتمام وإضافة القيمة، لكنهما يختلفان في رحلتهما الفكرية؛ إذ يستكشف الأول معنى وجودنا من خلال الفلسفة والفيزياء، في حين يرسم الآخر مسارات عملية عبر علم النفس ورواية القصص.
تُعرّف غولدشتاين غريزة الأهمية بأنها شوق إنساني فريد لاستحقاق الاهتمام، يتجاوز مجرد البقاء أو تحقيق المكانة، وينبع من حلقة متكررة من "المعرفة المتبادلة"، وهو مفهوم مُستعار من نظرية المعرفة؛ إذ لا يعرف الأفراد شيئًا عن الآخرين، بل يعرفون أيضًا أن الآخرين يعرفونه، ويعرفون أن الآخرين يعرفون أنهم يعرفونه، وهكذا دواليك. عند البشر، يتحول هذا الإدراك الاجتماعي إلى الداخل: لا نريد فقط أن يرانا الآخرون، بل نريد أن نستحق رؤيتهم لنا. ونريد أن تكون حياتنا ذات قيمة حقيقية تُبرر هذا الاهتمام المتراكم. يخلق كل ذلك دافعًا نفسيًّا عميقًا لاستحقاق الأهمية.
تربط غولدشتاين هذه الغريزة بالفيزياء، فالحياة تقاوم القانون الثاني للديناميكا الحرارية؛ أي انزلاق الكون نحو الفوضى. لذلك، فإن كل ما نقوم به من "مشروعات متعلقة بالقيمة"، كما تسميها، سواءً في مجال الفن أو العلم أو العلاقات، ليست ترفًا، بل حصون تطورية ضد العبثية. يتأمل البشر وحدَهم، بوصفهم كائنات واعية، في عبثية الكون، موجّهين وعيهم الاجتماعي نحو ذواتهم، ومتوقين إلى دليل يُثبت أن حياتهم تستحق الاهتمام. وتقارن الكاتبة هذا ببقاء الحيوانات، مؤكدةً على الطبيعة الإنسانية الفريدة: فالوعي يحدق في الفراغ ويصرّ: "أنا مهم بما يكفي لملئه".
يُجسّد كتاب "غريزة الأهمية" أفكارًا شغلت غولدشتاين لعقود. ففي كتابها الأول، وهو رواية بعنوان "مشكلة العقل والجسد" (1983م)، تبتكر البطلة "خريطة للأهمية" بوصفها أداةً تحليلية لفهم كيف انتهى بها المطاف في زواج تعيس. وفيها تقسّم الأشخاص إلى أربع فئات: "الاجتماعيون" الذين يريدون أن يكونوا ذوي أهمية للآخرين، و"المنافسون" الذين يسعون لأن يكونوا أكثر أهمية من غيرهم، و"المتسامون" الذين يريدون أن يكونوا ذوي أهمية سامية في هذا الكون، وأخيرًا "الطموحون الأبطال" الذين يسعون لإنجاز عملٍ ذي قيمة جوهرية لديهم، سواء كان في المجال الفني أو الرياضي أو الفكري.
تقدّم غولدشتاين أمثلةً عن أشخاصٍ يمثّلون جميع فئات خريطة الأهمية هذه. منها الطالبة المتفوقة التي وقعت في غرام أستاذها، وتركت دراستها العليا، وكرّست حياتها لتكون ربة منزل (شخصية اجتماعية)؛ والرياضي الذي يرى الفوز في سحق خصمه تمامًا (شخصية تنافسية)؛ والعالم الفرنسي الموسوعي بليز باسكال، الذي تخلّى عن مساعيه العلمية من أجل شكل متطرف من التدين (شخصية متسامية). لكن "الطموحين الأبطال" هم من يستحوذون على اهتمام غولدشتاين بوضوحٍ، فتذكر منهم شخصيات مثل الفيلسوف النمساوي البريطاني لودفيغ فيتغنشتاين الذي أحدث ثورة في الفلسفة، على الرغم من فقره وحياته التي كانت محفوفة بالأخطار؛ ورائد علم النفس الأمريكي ويليام جيمس الذي حارب الاكتئاب والرفض المهني ليبني "مبدأ البراغماتية" ويؤسس علم النفس علمًا مستقلًّا.
من جانب آخر، تُؤكد والاس في كتابها "الأهمية" أن رغبتنا في الأهمية هي حاجة أساسية تشمل "مفاهيم مألوفة متعلقة بمشاعر التواصل والانتماء والغاية". ولكنها على عكس غولدشتاين، لا تستعين بقوانين الفيزياء لتبرير وجهة نظرها. كما أنها لا تُخصّص جزءًا كبيرًا من كتابها للعباقرة الذين يسعون جاهدين لاستحقاق الاهتمام، بل تركّز والاس على أناس عاديين يبحثون عن المعنى والتواصل في حياتهم.
وبالاستناد إلى أعمال عالم النفس المتخصص في مفهوم الأهمية، غوردون فليت، تُشير إلى أن الشعور المُحبِط بـ"انعدام الأهمية" قد تكون له عواقب اجتماعية. فالشخص الذي يشعر بأنه غير مرئي وغير مُقدّر قد يُظهر سلوكيات عدوانية لجذب الانتباه. وتتحدث عن الموظفين المُنهكين ومُقدّمي الرعاية المُثقلين بالأعباء، والأشخاص الذين يُصارعون الحزن أو يُكافحون خلال مرحلة انتقالية مُزعزعة للاستقرار، مستكشفةً كيف تتغير حياتنا عندما نتذكر، بطرق بسيطة ومُتعمّدة، أننا ذوو قيمة وأن لدينا ما نُقدّمه. تقدّم والاس العناصر الأساسية لبناء ما تسميه "جوهرنا المهم": إدراك تأثيرنا، والاعتماد عليه (ولكن ليس بنحوٍ مفرط)، والشعور بأننا أولوية، وأننا معروفون حقًّا ومُستثمَر فينا. إن تقوية هذا الجوهر تساعدنا على إعادة الاتصال بإحساسنا بالهدف، وتعميق علاقاتنا، ومواجهة تقلبات الحياة وتحدياتها بمزيدٍ من المرونة.
تحرص كلتا المُؤلِّفتين، غولدشتاين ووالاس، على التمييز الدقيق بين "الشعور بالأهمية" و"السعادة"، معتبرتين الأول أساسًا أعمق وأكثر استدامة للرفاهية الإنسانية. يعود هذا التمييز إلى مفهوم أرسطو لـ"الحياة المزدهرة"، التي لا تقتصر على المتعة العابرة أو الإحساس اللحظي باللذة، كما في مفهوم السعادة الهيدونية، بل تشمل تحقيق الفضائل، والسعي نحو غاية عليا في الحياة، والإسهام في مجتمع أكبر. فبينما تربط غولدشتاين هذا الشعور بـ"المشروعات المتعلقة بالقيمة" التي تُقاوم الفوضى الكونية، تستشهد والاس بقول المؤثرة الأمريكية أوبرا وينفري: "نريد جميعًا أن نعرف أن لأفعالنا وأقوالنا ووجودنا قيمة"، لتؤكد أن الشعور بالأهمية هو الطريق إلى هذه الحياة المزدهرة، لا مجرد سعادة سطحية قد تتلاشى مع الإنجازات المادية. من الواضح أن هدف كتاب والاس هو المساعدة الذاتية. فهي توصي القرّاء بـ"الاحتفاظ بملف للأثر" يضم رسائل شكر من العملاء والأصدقاء تذكيرًا "بالطرق الإيجابية التي نُحدث بها فرقًا".
أمَّا غولدشتاين، فطموحاتها أوسع، وتقترح أن تكون طموحاتنا كذلك؛ إذ تختتم كتابها بقصة استثنائية لامرأة صينية فقيرة أنقذت أطفالًا رُضّعًا متروكين في مكبَّات النفايات خلال سنوات سياسة الطفل الواحد في الصين. تتذكر إحدى هؤلاء الرُضّع، التي بلغت سن الأربعين الآن، بتأثر بالغ كيف جعلتها تلك السيدة تشعر بالحب من خلال معاملة كل طفل على أنه جدير بالاهتمام. فغريزة الاهتمام تهبنا قوة حياتية تُنير العالم حين تتجسّد في عيون من يروننا جديرين بها.
رغبتنا الفطرية في الشعور بالتقدير والاهتمام
غريزة الأهمية: كيف تدفعنا أعمق رغباتنا وتفرّقنا؟
تأليف: ريبيكا نيوبيرغر غولدشتاين
THE MATTERING INSTINCT: How Our Deepest Longing Drives Us and Divides Us, by Rebecca Newberger Goldstein
الناشر: Liveright، 2026
الأهمية: سرُّ الحياة المليئة بالتواصل العميق والهدف
تأليف: جينيفر بريني والاس
MATTERING: The Secret to a Life of Deep Connection and Purpose, by Jennifer Breheny Wallace
الناشر: Portfolio، 2026