Hero image

النظام الغريب للأشياء

مايو – يونيو | 2026

مايو 20, 2026

شارك


يسعى أستاذ علم الأعصاب في جامعة جنوب كاليفورنيا، البرتغالي أنطونيو داماسيو، في هذا الكتاب إلى منح المشاعر الإنسانية، من الألم والمعاناة إلى الرفاهية والمتعة، ما تستحقه من تقديرٍ يرى أنها تفتقده، بوصفها دوافع وأدوات مراقبة وأدوات تفاوُضٍ يلجأ إليها البشر لتشكيل ثقافاتهم التي تشمل الفنون والبحث الفلسفي والأنظمة الأخلاقية والمعتقدات الدينية والعدالة وأنظمة الحكم، والمؤسسات الاقتصادية، والتكنولوجيا، والعلوم. ويرى أنه إذا أردنا فَهْمَ الصراعات والتناقضات التي تسود الحالة الإنسانية، فلا بدَّ أولًا من تحليل العلاقة بين المشاعر والعقل، والاعتراف بالتفاعل المستمر بينهما. وفي هذا الصدد، يطرح مجموعةً من الأسئلة منها: لماذا نتعاطَف ونستخدم المشاعر لبناء ذواتنا؟ وكيف يحدث ذلك؟ وكيف تُسانِد المشاعر أفضل نيَّاتنا أو تُقوِّضها؟ ولماذا تتفاعل الأدمغة مع الجسم لدعم وظائف كهذه؟ وكيف؟

وفي الكتاب الذي يضمُّ ثلاثة عشر فصلًا وُزِّعت على ثلاثة أجزاء، يسرد "داماسيو" قصة المشاعر الإنسانية من حيث عناصرها الجوهرية، وآليات عملها، وكذلك النتائج المُترتِّبة على هذا العمل. ويشرح مفهوم "التوازن الداخلي" الذي خصَّص له الجزء الأول، وتُعبِّر عنه المشاعر ذهنيًّا وتستمدُّ قوتها منه؛ وهو توازُنٌ يتحقق بين الجسم وأنظمته العصبية، فينتج في النهاية "العقل الشعوري الواعي" المسؤول عمَّا يميِّز البشرية من سمات ثقافية وحضارية. وقد سمّى المؤلِّف هذا العقل بـ"العقل الثقافي"، وخصَّص له الجزأين: الثاني والثالث من كتابه؛ إذ يتناول فيهما أولًا العناصر المُكوِّنة له؛ أي عناصره التأسيسية، وعلاقته ببناء المشاعر والوعي، ثم يُقدِّم أمثلةً مُتنوِّعةً عن تطبيقاته في مجالات شتى، مثل الفنون، والقواعد الأخلاقية، والطِّبِّ، والخوارزميات. 

أمَّا عن عنوان الكتاب وهو "النظام الغريب للأشياء"، فيشير داماسيو، في الفصل الأخير، إلى أنه استوحاه من حقيقتين: الأولى أنه منذ نحو مائة مليون سنة طوّرت بعض أنواع الحشرات مجموعةً من السلوكيات الاجتماعية التي يمكن أن تُوصَف بالثقافية عند مقارنتها بنظيرتها لدى البشر. والحقيقة الثانية هي أنه في حقبةٍ أبعد من ذلك، من المُحتمَل قبل مليارات السنين، أظهرت الكائناتُ وحيدةُ الخليةِ أيضًا ممارساتٍ اجتماعيةً تتوافق مع جوانب من السلوكيات الاجتماعية والثقافية للبشر. ويُوضِّح المؤلِّف أن هاتين الحقيقتين تتناقضان مع الفكرة التقليدية القائلة إنه: "لا يمكن لشيءٍ مُعقَّد، مثل الأدوات الاجتماعية القادرة على تحسين إدارة الحياة، أن ينشأ إلا من عقول كائناتٍ مُتطوِّرة". وعلى ذلك، فإن ما ذكره من ميزات اجتماعية ظهرت في وقتٍ مبكرٍ من تاريخ الحياة يُعَدُّ "نظامًا غريبًا في الواقع وغير متوقع على أقل تقدير"؛ لأنه يؤكد أن الكائنات الحيّة كافةً تسعى إلى تحقيق هذا "التوازن الداخلي" المحتوم الذي يجعلها تختبر طرائق سلوكية طبيعية متعددة؛ لتختار الأفضل من بينها والأصلح للتطبيق لمواجهة بيئاتها والتكيف معها.
 

 

النظام الغريب للأشياء: الحياة والشعور وصناعة الثقافات
تأليف: أنطونيو داماسيو
ترجمة: متيم الضايع
الناشر: صفحة سبعة، 2025م