Hero image

انخفاض سنّ البلوغ لدى الفتيات حول العالم

مايو – يونيو | 2026

مايو 13, 2026

شارك
تزايد اهتمام الباحثين في السنوات الأخيرة بدراسة التغيُّر الذي طرأ على سن البلوغ لدى الفتيات؛ إذ تشير الأدلة العلمية إلى أنه أصبح يحدث في عمر أصغر مقارنة بما كان عليه في الماضي. ويناقش مقال حديث في مجلة (Nature) ظاهرة انخفاض سن البلوغ عالميًا والعوامل المحتملة التي قد تفسرها، إضافة إلى المخاطر الصحية المرتبطة بها.
يبدأ البلوغ عند الفتيات عادةً بين سن 8 و13 عامًا. ويُعرَّف تأخر البلوغ عند الفتيات طبيًا بغياب الصفات الجنسية الثانوية في العمر المتوقع. ويُعدُّ متأخرًا إذا لم يظهر نمو الثديين حتى سن 13 عامًا، أو لا يحدث الطمث الأول حتى سن 15 عامًا، أو توقف تطوُّر البلوغ لأكثر من خمس سنوات بعد بدايته.
 

 تبدأ عملية البلوغ عندما يبدأ الدماغ، وتحديدًا غدة تحت المهاد (Hypothalamus)، بإفراز هرمون (GnRH) الذي يحفز الغدة النخامية لإطلاق الهرمونات المنشطة للغدد التناسلية (LH وFSH). ويؤدي ذلك إلى تحفيز المبايض لإنتاج هرمون الأستروجين، الذي يُطلق سلسلة من التغيرات الجسدية المرتبطة بالبلوغ، مثل نمو الثديين، وظهور الشعر، ونمو العظام، وحدوث الطمث الأول.
تشير الدراسات الوبائية إلى أن تأخر البلوغ يؤثر في نحو 2% من المراهقين حول العالم، ويُعدُّ من أكثر أسباب الإحالة إلى عيادات الغدد الصماء لدى الأطفال. كما تشير مراجعات علمية حديثة إلى أن اضطرابات البلوغ، سواء المبكرة أو المتأخرة، أصبحت ملحوظةً أكثر في العقود الأخيرة، نتيجة التغيرات في أنماط الحياة والتغذية والعوامل البيئية. وتختلف معدلات انتشار تأخُّر البلوغ بين الدول تبعًا لعوامل متعددة، مثل الحالة الغذائية، والوضع الصحي العام، والعوامل الوراثية، والبيئة الاجتماعية،
والاقتصادية. 

مقارنة مع ما كان عليه

 تشير البيانات التاريخية إلى أن متوسط العمر عند الطمث الأول في القرن التاسع عشر كان يُراوح بين 16 و17 عامًا، في حين يبلغ اليوم في كثير من الدول نحو 12 عامًا فقط، مما يعكس انخفاضًا ملحوظًا في توقيت البلوغ عبر الزمن. كذلك انخفض متوسط العمر عند بداية نمو الثديين، وهي أول علامة واضحة للبلوغ لدى الفتيات، من نحو 11 عامًا في ستينيات القرن العشرين إلى نحو 9 – 10 سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية بحلول تسعينيات القرن العشرين.

السمنة والتعرّض للكيميائيات والعوامل النفسية

أثبتت دراسات حديثة عديدة أن زيادة الوزن والسمنة لدى الأطفال تُعدُّ أحد أهم العوامل المرتبطة بحدوث البلوغ المبكر؛ إذ تؤدي الخلايا الدهنية دورًا في إفراز هرمون اللبتين، الذي يمكن أن يؤثر في الدوائر العصبية في الدماغ المسؤولة عن تنظيم النمو والتكاثر. ويُعتقد أنه يؤدي دورًا مهمًا في تقدمها واستمرارها. كما تشير بعض الدراسات إلى أن الجمع بين ارتفاع مؤشر كتلة الجسم ومستويات مرتفعة من هرمونات التوتر، قد يؤدي إلى بدء نمو الثديين في وقت أبكر بعدة أشهر، مقارنةً بالفتيات اللواتي يتمتعن بوزن طبيعي ومستويات توتر منخفضة.

وإضافةً إلى السمنة، يعتقد بعض الباحثين أن التعرُّض للمواد الكيميائية المسببة لاضطرابات الغدد الصماء، قد يسهم أيضًا في تسريع توقيت البلوغ. وتشمل هذه المواد مركبات كيميائية موجودة في البلاستيك، والمنتجات الصناعية مثل الفثالات (Phthalates) و(PFAS)، وبعض المركبات العطرية الصناعية. ويمكن لهذه المواد أن تحاكي عمل الهرمونات، أو تتداخل مع نشاطها، وهو ما قد يؤثر في النظام الهرموني لدى الأطفال.
وتشير بعض الأبحاث إلى أن العوامل النفسية والاجتماعية قد تؤثر في توقيت البلوغ. فقد أظهرت دراسات متخصصة أن الفتيات اللواتي يتعرضن لضغوط نفسية شديدة في الطفولة، مثل العنف الأسري أو الفقر أو التمييز الاجتماعي، قد يبدأن البلوغ في سن أصغر مقارنةً بغيرهن.
ومن الملاحظات التي لفتت اهتمام الباحثين زيادة حالات البلوغ المبكر خلال جائحة كوفيد- 19. فقد لاحظ أطباء الغدد الصماء في دول عديدة ارتفاع عدد الحالات المحالة لتقييم البلوغ المبكر. فقد ارتفعت نسبة التشخيصات للبلوغ المبكر بين مارس 2020م وفبراير 2021م، مقارنةً بفترة ما قبل الجائحة، مما يشير إلى تأثير محتمل لنمط الحياة المتغير والضغط النفسي المرتبط بالجائحة في توقيت البلوغ.
وختامًا، تشير الأدلة العلمية إلى أن توقيت البلوغ يتأثر بتفاعل معقَّد بين العوامل الحيوية والبيئية والاجتماعية. ومع استمرار انخفاض سن البلوغ عالميًا، تزداد الحاجة إلى دراسات طويلة المدى لفهم هذه الظاهرة بشكل أفضل وتحديد آثارها الصحية على المدى البعيد.
 


د. ندى فيصل الأحمدي: أستاذ الوراثة الجزيئية المساعد - جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل