
في السعودية، لم يَعُد التعلُّم محصورًا في قاعات الجامعات؛ فمئات الهاكاثونات، والمؤتمرات، والمعارض، والبرامج المفتوحة، تخلق منظومةً تعليميةً موازية، بل أحيانًا أكثر حيوية. ففي أسبوع واحد، يمكن لطالب أن يخوض تجربة عملية، ويتفاعل مع خبراء، ويعرض مشروعه أمام جمهور حقيقي. هذه ليست أنشطةً "مكملة"، بل أصبحت في نظر الكثيرين جوهر التعلُّم.
قبل نحو عشرين سنة، رُشِّحتُ من قِبل وزارة التربية والتعليم لتمثيل المملكة في "مهرجان الطفل العالمي" المُقام في الأردن. كانت تلك أولى رحلاتي الفردية، وكنت حينئذٍ طالبًا في المرحلة الثانوية، وبعمر السادسة عشرة. التقيت هناك كثيرًا من الفتيان والفتيات في فعالية أشبه بالمخيمات الكشفية تحمل شعارًا واحدًا ندعمه، ونجرّبه، ونعود لنشره حولنا، وهو: "التعليم النوعي حقٌّ للجميع".
عشنا شكلًا جديدًا من أساليب التعلُّم عبر الفن والموسيقى والتجارب، وهو الأمر الذي عاد إلى ذهني هذه الأيام، مع تجلي الفوارق بين المؤسسات التعليمية، وما يحدث حول العالم من تطوُّر تقني حياتي، ويجعلني أسأل: هل حان الوقت لغربلة العملية التعليمية؟
اليوم، ومنذ خمس سنوات، يبدو أن العالم كله يسير في هذا الاتجاه الذي كنا نبحث عنه بشكل فردي. ويبدو أن هذا التحوُّل ليس محليًّا فقط؛ فجامعات عالمية مثل جامعة "ليدز" (University of Leeds) أعادت تصميم مناهجها لتدمج التجارب الميدانية ضمن التقييم الأكاديمي، انطلاقًا من قناعة بأن "الفرص التي تمتد خارج الفصل ضروريةٌ للتعلُّم الحقيقي". وفي جامعة "نورثمبريا" (Northumbria University)، يُكلَّف الطلابُ بالعمل على قضايا واقعية؛ لأن المهارة لا تُبنى في الفراغ، بل في مواجهة الواقع. وحتى في جامعة "كاليفورنيا سان دياجو" (University of California, San Diego)، نجد نماذج تعليمية تشترط على الطالب خوض تجربة تطبيقية، وهذا جزء أساس من متطلبات تخرُّجه.
روَّاد الأعمال الذين يقودون أكثر الصناعات تقدُّمًا، مثل "أيلون ماسك" (Elon Musk)، لا يرون أن الفصل الدراسي التقليدي هو مركز التعلُّم، بل يرون أن التعلُّم الحقيقي يبدأ عندما يواجه الطالب مشكلةً حقيقيةً، ويُجبَر على التفكير والتجربة والفشل، ثم المحاولة مُجدَّدًا.
هذه القناعة لم تبقَ فكرةً نظريةً لدى إيلون ماسك، بل تحوَّلت إلى تجربة تعليمية فعلية، حين أسَّس مدرسة "أد استرا" (Ad Astra) التي تطوَّرت لاحقًا إلى "أسترا نوفا" (Astra Nova) داخل بيئة "سبيس إكس" (SpaceX).
هناك، ألغى المناهج التقليدية والصفوف العمرية، واستبدل بها تعليمًا قائمًا على المشروعات؛ إذ يتعلم الطلاب من خلال حلِّ تحدياتٍ واقعية، بدءًا من تصميم أنظمة مُعقَّدة، وصولًا إلى مناقشة قضايا أخلاقية مرتبطة بالتكنولوجيا.
في هذا النموذج من التعليم، لا يُسأل الطالب: "ماذا حفظت؟" بل: "كيف فكرت؟ ولماذا اخترت هذا الحل؟".
ومع توغُّلِ تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أصبحت المعلومة حاضرةً، ولم يتبقَّ سوى كيفية الاستفادة القصوى منها بفاعلية أكبر. وهنا تتجلى المفارقة؛ فكلما أصبحت المعرفة أسهل وصولًا، أصبح التعلُّم الحقيقي أصعب تحقيقًا.
نحن بحاجةٍ إلى نموذجٍ هجينٍ يُعيد توزيعَ التعلُّمِ بين الداخل والخارج؛ فصلٌ دراسيٌّ لا يكتفي بالمحتوى، بل يُبنى على التجربة: مشروعٌ في هاكاثون، أو مشاركة في معرض، أو تطوير فكرة مع شريك صناعي، ثم تقييمٌ لا يعتمد على الاختبار فقط، بل على أثرٍ حقيقيٍّ يمكن قياسه. وبهذا يتحوَّلُ الأستاذ من "مُلقّنٍ" إلى "مُيسّرٍ"، يربط بين النظرية والتجربة، ويقود الطالب لاكتشاف مساره الخاص.
في السياق السعودي، لدينا فرصة استثنائية؛ فالبنية التحتية الثقافية والإبداعية التي تتشكَّل اليوم من خلال مؤسسات، مثل مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي "إثراء" ومؤسسة "مسك" والمبادرات الحكومية والخاصة، تُوفِّر بيئةً يمكن أن تكون امتدادًا أصيلًا لعملية تعليمية لا بديل عنها.
فما نشهده اليوم هو تحوُّلٌ في مفهوم التعليم نفسه؛ ذلك أن العالم يتجه بوضوحٍ تامٍّ نحو ما يُعرف بـ"التعليم النوعي"؛ وهو تعليمٌ يُقاس بعمق التجربة، وقدرة الفرد على التفكير والتطبيق والتأثير، وفي هذا السياق، تبدو كثير من الفصول الدراسية وكأنها ما زالت تنتمي إلى نموذجٍ "كميٍّ"، في حين يتغيَّر الواقعُ حولها بوتيرة أسرع وأكثر عمقًا.
قبل نحو عشرين سنة، رُشِّحتُ من قِبل وزارة التربية والتعليم لتمثيل المملكة في "مهرجان الطفل العالمي" المُقام في الأردن. كانت تلك أولى رحلاتي الفردية، وكنت حينئذٍ طالبًا في المرحلة الثانوية، وبعمر السادسة عشرة. التقيت هناك كثيرًا من الفتيان والفتيات في فعالية أشبه بالمخيمات الكشفية تحمل شعارًا واحدًا ندعمه، ونجرّبه، ونعود لنشره حولنا، وهو: "التعليم النوعي حقٌّ للجميع".
عشنا شكلًا جديدًا من أساليب التعلُّم عبر الفن والموسيقى والتجارب، وهو الأمر الذي عاد إلى ذهني هذه الأيام، مع تجلي الفوارق بين المؤسسات التعليمية، وما يحدث حول العالم من تطوُّر تقني حياتي، ويجعلني أسأل: هل حان الوقت لغربلة العملية التعليمية؟
اليوم، ومنذ خمس سنوات، يبدو أن العالم كله يسير في هذا الاتجاه الذي كنا نبحث عنه بشكل فردي. ويبدو أن هذا التحوُّل ليس محليًّا فقط؛ فجامعات عالمية مثل جامعة "ليدز" (University of Leeds) أعادت تصميم مناهجها لتدمج التجارب الميدانية ضمن التقييم الأكاديمي، انطلاقًا من قناعة بأن "الفرص التي تمتد خارج الفصل ضروريةٌ للتعلُّم الحقيقي". وفي جامعة "نورثمبريا" (Northumbria University)، يُكلَّف الطلابُ بالعمل على قضايا واقعية؛ لأن المهارة لا تُبنى في الفراغ، بل في مواجهة الواقع. وحتى في جامعة "كاليفورنيا سان دياجو" (University of California, San Diego)، نجد نماذج تعليمية تشترط على الطالب خوض تجربة تطبيقية، وهذا جزء أساس من متطلبات تخرُّجه.
روَّاد الأعمال الذين يقودون أكثر الصناعات تقدُّمًا، مثل "أيلون ماسك" (Elon Musk)، لا يرون أن الفصل الدراسي التقليدي هو مركز التعلُّم، بل يرون أن التعلُّم الحقيقي يبدأ عندما يواجه الطالب مشكلةً حقيقيةً، ويُجبَر على التفكير والتجربة والفشل، ثم المحاولة مُجدَّدًا.
هذه القناعة لم تبقَ فكرةً نظريةً لدى إيلون ماسك، بل تحوَّلت إلى تجربة تعليمية فعلية، حين أسَّس مدرسة "أد استرا" (Ad Astra) التي تطوَّرت لاحقًا إلى "أسترا نوفا" (Astra Nova) داخل بيئة "سبيس إكس" (SpaceX).
هناك، ألغى المناهج التقليدية والصفوف العمرية، واستبدل بها تعليمًا قائمًا على المشروعات؛ إذ يتعلم الطلاب من خلال حلِّ تحدياتٍ واقعية، بدءًا من تصميم أنظمة مُعقَّدة، وصولًا إلى مناقشة قضايا أخلاقية مرتبطة بالتكنولوجيا.
في هذا النموذج من التعليم، لا يُسأل الطالب: "ماذا حفظت؟" بل: "كيف فكرت؟ ولماذا اخترت هذا الحل؟".
ومع توغُّلِ تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أصبحت المعلومة حاضرةً، ولم يتبقَّ سوى كيفية الاستفادة القصوى منها بفاعلية أكبر. وهنا تتجلى المفارقة؛ فكلما أصبحت المعرفة أسهل وصولًا، أصبح التعلُّم الحقيقي أصعب تحقيقًا.
نحن بحاجةٍ إلى نموذجٍ هجينٍ يُعيد توزيعَ التعلُّمِ بين الداخل والخارج؛ فصلٌ دراسيٌّ لا يكتفي بالمحتوى، بل يُبنى على التجربة: مشروعٌ في هاكاثون، أو مشاركة في معرض، أو تطوير فكرة مع شريك صناعي، ثم تقييمٌ لا يعتمد على الاختبار فقط، بل على أثرٍ حقيقيٍّ يمكن قياسه. وبهذا يتحوَّلُ الأستاذ من "مُلقّنٍ" إلى "مُيسّرٍ"، يربط بين النظرية والتجربة، ويقود الطالب لاكتشاف مساره الخاص.
في السياق السعودي، لدينا فرصة استثنائية؛ فالبنية التحتية الثقافية والإبداعية التي تتشكَّل اليوم من خلال مؤسسات، مثل مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي "إثراء" ومؤسسة "مسك" والمبادرات الحكومية والخاصة، تُوفِّر بيئةً يمكن أن تكون امتدادًا أصيلًا لعملية تعليمية لا بديل عنها.
فما نشهده اليوم هو تحوُّلٌ في مفهوم التعليم نفسه؛ ذلك أن العالم يتجه بوضوحٍ تامٍّ نحو ما يُعرف بـ"التعليم النوعي"؛ وهو تعليمٌ يُقاس بعمق التجربة، وقدرة الفرد على التفكير والتطبيق والتأثير، وفي هذا السياق، تبدو كثير من الفصول الدراسية وكأنها ما زالت تنتمي إلى نموذجٍ "كميٍّ"، في حين يتغيَّر الواقعُ حولها بوتيرة أسرع وأكثر عمقًا.
سلطان البدران: كاتب ومعماري سعودي.