
لطالما ساد اعتقاد عميق بأن الكتاب ليس مجرد وعاء للمعلومات أو أداة لنقل المعرفة الجافة، بل مادة حيوية "مُعدية" قادرة على التسلل إلى مسام الوعي وتغيير كيمياء العقل البشري. ويمتد هذا الاعتقاد كخيط رفيع عبر التاريخ، ليربط بين سقراط الذي حذَّر من "سُمِّ" الكتابة قبل آلاف السنين، وطلاب الجامعات المرموقة اليوم الذين يطالبون بـوضع تحذيرات من المحتوى قبل تعاطي نصوص فرجينيا وولف أو أوفيد. ولم ينبع هذا الخوف من الكتب لكونها تُجهّل القارئ، بل من حقيقة أنها "تغيّره".
“
تجري القراءة في "عزلة تامة" وفي "تواصل تام" في آنٍ واحد. والقارئ الذي يُنهي كتابًا عظيمًا لن يكون هو الشخص نفسه الذي بدأه.
إن ما يجعل الكتب خطِرة ليس فيما تقوله، بل ما تفعله. فالقراءة هي النشاط الوحيد الذي يحدث في "عزلة تامة" وفي "تواصل تام" في آنٍ واحد. والقارئ المنغمس في كتاب هو شخص غائب عن محيطه المادي، لكنه حاضر في وعي آخر. هذا الغياب الفيزيائي هو ما يثير الريبة. فالشخص الذي يقرأ هو شخص "خارج السيطرة" مؤقتًا. والقارئ الذي يُنهي كتابًا عظيمًا ليس هو الشخص نفسه الذي بدأه. لقد اكتسب ذاكرة إضافية وتجارب لم يعِشها، وهذا يجعله أكثر تعقيدًا وأقل خضوعًا للتنميط، ولربَّما وصل إلى وجهة لم تكُن في حسبان المؤلف.
"السمُّ والترياق" عند الإغريق
في محاورة "فيدروس" لأفلاطون، نجد أحد أقدم التحذيرات من الكتابة وأعمقها؛ إذ استخدم سقراط مفردة "فارماكون" (Pharmakon) لوصف النص المكتوب، وهي كلمة إغريقية ملغّزة تحمل نقيضين في آنٍ واحد: "الترياق" و"السمُّ". فقد كان المعلم الأثيني يخشى أن يؤدي الاعتماد على النصوص المكتوبة إلى تدمير الذاكرة البشرية؛ وبدلًا من استبطان الحكمة وتدريب العقل على التذكُّر الخلَّاق، قد يركن الناس إلى نصوص خارجية تمنحهم ملمحًا ظاهريًّا من المعرفة دون جوهرها.
كان الخوف السقراطي تربويًّا في ظاهره، لكنه كان يحمل قلقًا وجوديًّا أعمق: فكرة أن النص "يتكلم" في غياب صاحبه، وأنه قد يقع في يد مَن لا يفهمه أو مَن يسيء تأويله دون وجود "مُعلّم" يصحح المسار. وبذلك تصبح القراءة وكأنها فعل "انفلات"؛ إذ يتحرر الوعي من فضاء الحوار المباشر إلى مساحة النص المستقل الذي لا يمكن مجادلته. سقراطيًّا، كان الكتاب يمثِّل "ارتباكًا أخلاقيًّا" محتملًا؛ لأنه يُغذِّي العقل بمعلومات تفوق قدرة الفرد غير المستعد للهضم والتمثُّل.
في القرن الثالث قبل الميلاد، اتَّخذ هذا القلق طابعًا جندريًّا على لسان الدرامي اليوناني "ميناندر" الذي حذَّر من تعليم النساء القراءة، مُشبِّهًا الأمر بـ"إطعام ثعبان حقير مزيدًا من السم"! وهذا الربط بين "السم" والقراءة النسائية يعكس رعبًا من قدرة الأدب على تحطيم القيود الاجتماعية؛ فالمرأة التي تقرأ هي امرأة بدأت تتخيَّل حيواتٍ بديلة، وهذا التخيُّل هو الخطوة الأولى نحو التمرد على الرتابة المنزلية والقيم السائدة آنذاك.
"السمُّ والترياق" عند الإغريق
في محاورة "فيدروس" لأفلاطون، نجد أحد أقدم التحذيرات من الكتابة وأعمقها؛ إذ استخدم سقراط مفردة "فارماكون" (Pharmakon) لوصف النص المكتوب، وهي كلمة إغريقية ملغّزة تحمل نقيضين في آنٍ واحد: "الترياق" و"السمُّ". فقد كان المعلم الأثيني يخشى أن يؤدي الاعتماد على النصوص المكتوبة إلى تدمير الذاكرة البشرية؛ وبدلًا من استبطان الحكمة وتدريب العقل على التذكُّر الخلَّاق، قد يركن الناس إلى نصوص خارجية تمنحهم ملمحًا ظاهريًّا من المعرفة دون جوهرها.
كان الخوف السقراطي تربويًّا في ظاهره، لكنه كان يحمل قلقًا وجوديًّا أعمق: فكرة أن النص "يتكلم" في غياب صاحبه، وأنه قد يقع في يد مَن لا يفهمه أو مَن يسيء تأويله دون وجود "مُعلّم" يصحح المسار. وبذلك تصبح القراءة وكأنها فعل "انفلات"؛ إذ يتحرر الوعي من فضاء الحوار المباشر إلى مساحة النص المستقل الذي لا يمكن مجادلته. سقراطيًّا، كان الكتاب يمثِّل "ارتباكًا أخلاقيًّا" محتملًا؛ لأنه يُغذِّي العقل بمعلومات تفوق قدرة الفرد غير المستعد للهضم والتمثُّل.
في القرن الثالث قبل الميلاد، اتَّخذ هذا القلق طابعًا جندريًّا على لسان الدرامي اليوناني "ميناندر" الذي حذَّر من تعليم النساء القراءة، مُشبِّهًا الأمر بـ"إطعام ثعبان حقير مزيدًا من السم"! وهذا الربط بين "السم" والقراءة النسائية يعكس رعبًا من قدرة الأدب على تحطيم القيود الاجتماعية؛ فالمرأة التي تقرأ هي امرأة بدأت تتخيَّل حيواتٍ بديلة، وهذا التخيُّل هو الخطوة الأولى نحو التمرد على الرتابة المنزلية والقيم السائدة آنذاك.

مطبعة غوتنبرغ: اللحظة التي نقلت الكتاب من النسخ اليدوي إلى عصر الانتشار الواسع للمعرفة.
الانتصار للمشافهة على حساب المكتوب
لم يكُن الفكر العربي بمنأى عن مواجهة هذه الإشكالية. ففي التراث العربي القديم، ساد انحياز تاريخي لـ"الصدور" على حساب "السطور". وكان يُنظر إلى الاعتماد الكامل على الكتب على أنه نوعٌ من "الضعف الفسيولوجي" في الملكة الذهنية؛ فالأصيل هو ما استقر في الذاكرة والحفظ. أمَّا ما استُودع في الكتب فكان يُسمَّى "عِلم الصحف"، وصاحبه "صحفيًّا" (بمعنى من يأخذ علمه من الصحف لا عن الشيوخ)، وهي صفة كانت تحمل سِمةً من النقيصة قديمًا.
هذا الشكل من القلق كان ينبع من فكرة أن النص المكتوب "جامد" و"صامت"، في حين أن المشافهة "حيَّةٌ" و"تفاعليَّةٌ". وقد ذهب الجاحظ، في دفاعه الشهير عن الكتاب، إلى محاولة ترويض هذا الخوف، مؤكدًا أن الكتاب هو "الجليس الذي لا يطريك"، لكنه لم يستِطع محو التوجُّس من أن الكتب قد تؤدي إلى توليد أفكار غريبة وخارجة عن السيطرة الجماعية إذا ما انفرد بها القارئ بلا مؤانسة أو توجيه.
وفي فترات تاريخيةٍ معيَّنة، تحوَّل هذا التوجُّس إلى حذرٍ عقائديٍّ أدَّى في حالات شهيرة إلى غسل الكتب بالماء؛ لإذابة الحبر أو دفنها أو حرقها كما فعل بعضُ الزهَّاد والعلماء بكتبهم في أواخر حياتهم، ليس كراهيةً في العلم، بل خوفًا من فتنة التأويل، ويقينًا منهم بأن الكتاب كائن حيٌّ يملك قوةً تتجاوز نيَّة صاحبه، وقدرةً على "تغيير" مسار القارئ نحو آفاق لم تكُن محسوبة. ويتقاطع هذا الموقف التراثي مع "الفارماكون" اليوناني؛ فالكتاب العربي كان بدوره حِرزًا يحفظ الحكمة، لكنه كان أيضًا مخاطرة قد تورد صاحبها موارد الحيرة.
لم يكُن الفكر العربي بمنأى عن مواجهة هذه الإشكالية. ففي التراث العربي القديم، ساد انحياز تاريخي لـ"الصدور" على حساب "السطور". وكان يُنظر إلى الاعتماد الكامل على الكتب على أنه نوعٌ من "الضعف الفسيولوجي" في الملكة الذهنية؛ فالأصيل هو ما استقر في الذاكرة والحفظ. أمَّا ما استُودع في الكتب فكان يُسمَّى "عِلم الصحف"، وصاحبه "صحفيًّا" (بمعنى من يأخذ علمه من الصحف لا عن الشيوخ)، وهي صفة كانت تحمل سِمةً من النقيصة قديمًا.
هذا الشكل من القلق كان ينبع من فكرة أن النص المكتوب "جامد" و"صامت"، في حين أن المشافهة "حيَّةٌ" و"تفاعليَّةٌ". وقد ذهب الجاحظ، في دفاعه الشهير عن الكتاب، إلى محاولة ترويض هذا الخوف، مؤكدًا أن الكتاب هو "الجليس الذي لا يطريك"، لكنه لم يستِطع محو التوجُّس من أن الكتب قد تؤدي إلى توليد أفكار غريبة وخارجة عن السيطرة الجماعية إذا ما انفرد بها القارئ بلا مؤانسة أو توجيه.
وفي فترات تاريخيةٍ معيَّنة، تحوَّل هذا التوجُّس إلى حذرٍ عقائديٍّ أدَّى في حالات شهيرة إلى غسل الكتب بالماء؛ لإذابة الحبر أو دفنها أو حرقها كما فعل بعضُ الزهَّاد والعلماء بكتبهم في أواخر حياتهم، ليس كراهيةً في العلم، بل خوفًا من فتنة التأويل، ويقينًا منهم بأن الكتاب كائن حيٌّ يملك قوةً تتجاوز نيَّة صاحبه، وقدرةً على "تغيير" مسار القارئ نحو آفاق لم تكُن محسوبة. ويتقاطع هذا الموقف التراثي مع "الفارماكون" اليوناني؛ فالكتاب العربي كان بدوره حِرزًا يحفظ الحكمة، لكنه كان أيضًا مخاطرة قد تورد صاحبها موارد الحيرة.
“
مع اختراع المطبعة، تضاعف الخوف من الكتاب؛ إذ فقَدَ الحرَّاس قدرتهم على الحجر على الأفكار بعد أن تحوَّلت الكتبُ إلى متاعٍ متاحٍ للجميع.
من "الهرطقة" إلى "العدوى الجسدية"
مع صعود المؤسسات الدينية في أوروبا العصور الوسطى، لم تَعُد الكتب المخالفة مجرد أفكار خاطئة، بل عُدَّت مواد ملوثة جسديًّا. ووفقًا للمؤرخ هايغ بوزماجيان، كانت النصوص التي تثير التساؤلات حول الكنيسة تُوصف بأنها "أفاعٍ مُهلكة" أو "عفن" يُفسد الروح والبدن معًا.
في عام 1533م، وفي خضم الصراعات الفكرية في إنجلترا، وَصف توماس مور كتابات وليام تيندال بأنها "سموم قاتلة" تهدِّد بإصابة القرَّاء بـ"طاعون مُعدٍ". هذا الاستخدام المستمر لمصطلحات الأوبئة (طاعون، سم، عدوى، عفن) لم يكُن مجرد استعارات بلاغية، بل كان يُعبِّر عن قناعةٍ طبيةٍ في ذلك العصر بأن الأفكار السيئة تضعف المناعة الأخلاقية والجسدية للإنسان.
ومع اختراع المطبعة، تضاعف هذا الرعب؛ إذ فقَدَ الحرَّاس قدرتهم على الحجر الصحي على الأفكار، بعد أن تحوَّلت الكتبُ من بضاعة نادرة ومحصورة في المكتبات المغلقة إلى متاعٍ متاحٍ للجميع. هذا الانتقال خلق حالةً من الذعر الأخلاقي؛ إذ لم يَعُد ممكنًا التيقن من أن القرَّاء يمتلكون الأدوات الذهنية الكافية للتعامل مع ما يقرؤون.
ومع ولادة "الرواية" بوصفها نوعًا أدبيًّا حديثًا في القرن الثامن عشر، انفجر نوع جديد من القلق. بدت الرواية أخطر من الفلسفة؛ لأنها تخاطب العاطفة لا العقل، ولأنها تقدِّم نماذج بشريةً واقعيةً يمكن التماهي معها. وجادل الناقد الإنجليزي صمويل جونسون، في مقال شهير له عام 1750م، بأن "الملاحظة الدقيقة للعالم الحي" في الروايات (الجديدة) أخطر بكثير من قصص الفروسية الخيالية القديمة؛ فالروايات القديمة كانت بعيدة عن الواقع لدرجةٍ أن أحدًا لم يفكر في تقليد أبطالها. أمَّا الرواية الحديثة، فهي تُشرك القارئ في تجاربه اليومية، وهو ما يمنحها سلطة هائلة في تشكيل سلوك الشبان والشابات. وما أزعج جونسون وغيره هو "الخلط بين الخير والشر" في الشخصيات الروائية؛ فالأبطال ليسوا ملائكة، بل بشر يخطئون وينجحون، وهذا الغموض الأخلاقي عُدَّ "سُمًّا" قد يضلل القرَّاء الذين يبحثون عن القدوة الصالحة.
في أواخر القرن الثامن عشر، ظهرت مصطلحات مثل "هوس القراءة" (Reading Mania) و"وباء القراءة" (Reading Epidemic)، لتصف تفشّي الرغبة في اقتناء الكتب بين قطاعات عريضة، وهو ما صوَّره البعض حينذاك بحالةٍ مرضيةٍ تجتاح الجماهير. وعُدَّت النساء، على وجه الخصوص، الضحايا الأبرز لهذا الوباء؛ حتى إن الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو حذَّر في مقدمة روايته "جولي" (1761م) من أن "أي فتاة تجرؤ على قراءة صفحة واحدة من رواية هي فتاة ضائعة". لقد كان ثمَّة إجماع على أن القراءة تثير "هيجانًا عاطفيًّا" لا تستطيع عقول النساء والشبان الضعيفة كبحه، وهو ما يؤدي إلى انحرافات سلوكية أو أمراض نفسية.
مع صعود المؤسسات الدينية في أوروبا العصور الوسطى، لم تَعُد الكتب المخالفة مجرد أفكار خاطئة، بل عُدَّت مواد ملوثة جسديًّا. ووفقًا للمؤرخ هايغ بوزماجيان، كانت النصوص التي تثير التساؤلات حول الكنيسة تُوصف بأنها "أفاعٍ مُهلكة" أو "عفن" يُفسد الروح والبدن معًا.
في عام 1533م، وفي خضم الصراعات الفكرية في إنجلترا، وَصف توماس مور كتابات وليام تيندال بأنها "سموم قاتلة" تهدِّد بإصابة القرَّاء بـ"طاعون مُعدٍ". هذا الاستخدام المستمر لمصطلحات الأوبئة (طاعون، سم، عدوى، عفن) لم يكُن مجرد استعارات بلاغية، بل كان يُعبِّر عن قناعةٍ طبيةٍ في ذلك العصر بأن الأفكار السيئة تضعف المناعة الأخلاقية والجسدية للإنسان.
ومع اختراع المطبعة، تضاعف هذا الرعب؛ إذ فقَدَ الحرَّاس قدرتهم على الحجر الصحي على الأفكار، بعد أن تحوَّلت الكتبُ من بضاعة نادرة ومحصورة في المكتبات المغلقة إلى متاعٍ متاحٍ للجميع. هذا الانتقال خلق حالةً من الذعر الأخلاقي؛ إذ لم يَعُد ممكنًا التيقن من أن القرَّاء يمتلكون الأدوات الذهنية الكافية للتعامل مع ما يقرؤون.
ومع ولادة "الرواية" بوصفها نوعًا أدبيًّا حديثًا في القرن الثامن عشر، انفجر نوع جديد من القلق. بدت الرواية أخطر من الفلسفة؛ لأنها تخاطب العاطفة لا العقل، ولأنها تقدِّم نماذج بشريةً واقعيةً يمكن التماهي معها. وجادل الناقد الإنجليزي صمويل جونسون، في مقال شهير له عام 1750م، بأن "الملاحظة الدقيقة للعالم الحي" في الروايات (الجديدة) أخطر بكثير من قصص الفروسية الخيالية القديمة؛ فالروايات القديمة كانت بعيدة عن الواقع لدرجةٍ أن أحدًا لم يفكر في تقليد أبطالها. أمَّا الرواية الحديثة، فهي تُشرك القارئ في تجاربه اليومية، وهو ما يمنحها سلطة هائلة في تشكيل سلوك الشبان والشابات. وما أزعج جونسون وغيره هو "الخلط بين الخير والشر" في الشخصيات الروائية؛ فالأبطال ليسوا ملائكة، بل بشر يخطئون وينجحون، وهذا الغموض الأخلاقي عُدَّ "سُمًّا" قد يضلل القرَّاء الذين يبحثون عن القدوة الصالحة.
في أواخر القرن الثامن عشر، ظهرت مصطلحات مثل "هوس القراءة" (Reading Mania) و"وباء القراءة" (Reading Epidemic)، لتصف تفشّي الرغبة في اقتناء الكتب بين قطاعات عريضة، وهو ما صوَّره البعض حينذاك بحالةٍ مرضيةٍ تجتاح الجماهير. وعُدَّت النساء، على وجه الخصوص، الضحايا الأبرز لهذا الوباء؛ حتى إن الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو حذَّر في مقدمة روايته "جولي" (1761م) من أن "أي فتاة تجرؤ على قراءة صفحة واحدة من رواية هي فتاة ضائعة". لقد كان ثمَّة إجماع على أن القراءة تثير "هيجانًا عاطفيًّا" لا تستطيع عقول النساء والشبان الضعيفة كبحه، وهو ما يؤدي إلى انحرافات سلوكية أو أمراض نفسية.

ظاهرة "فرتر"
لعلَّ المثال الأشهر في تاريخ الخوف من الكتب هو رواية يوهان فولفغانغ فون غوته "آلام الشاب فرتر" (1774م). إذ انتشرت تقارير عن موجة من الانتحارات في أنحاء أوروبا بسببها؛ لأن الرواية تحكي قصة شاب فنان يقع في حب امرأة مستحيلة، وينتهي به الأمر إلى الانتحار. ومع أن الأدلة العلمية على هذه الموجة كانت ضعيفة، كان الرد المؤسساتي عنيفًا وشاملًا. واتَّهم القسُّ تشارلز مور، في دراسته الضخمة "بحث شامل في موضوع الانتحار" (1790م)، روايةَ غوته بأنها المُحرِّض الأول على تدمير الذات بين الشباب. وفي ألمانيا، أدرج الطبيب يوهان بيتر فرانك "قراءة الروايات المسمومة" بوصفها أحد الأسباب الطبية للانتحار في كتابه "نظام السياسة الطبية الكاملة".
كانت تلك لحظة فارقة: العِلمُ والطبُّ يُسخَّران لتجريم الأدب. فلم يَعُد المنعُ على أسسٍ دينيةٍ فحسب، بل لأغراض حماية "الصحة العامة" للمواطنين.
الروايات الشعبية والسموم الفكرية
مع اتساع رقعة القراءة في العصر الفيكتوري، ظهرت "روايات البنس"، وهي قصص رخيصة الثمن مملوءة بالعنف والتشويق، أثارت ذعرًا أخلاقيًّا لم يسبق له مثيل؛ إذ اعتقد المربُّون أن هذه القصص "تحقن فيروسًا" في عقول أطفال الطبقة العاملة.
ووصم الفيلسوف الألماني آرتور شوبنهاور، في عام 1851م، "الكتب الرديئة" بأنها "سموم فكرية تدمّر العقل". وكان لافتًا في نقده ذلك الربط بين "الشعبية" و"السمية"؛ فكلما كان الكتاب أكثر رواجًا، كان أخطر؛ لأنه يعمل على تخفيض المستوى الثقافي وتلويث الوعي الجمعي.
الرقابة من "الأسفل" واختراع "التحذير"
بحلول القرن الحادي والعشرين، حدث تحولٌ مذهل ومفارقة تاريخية كبرى. لم يَعُد الرقيب هو القس أو الطبيب أو الفيلسوف أو الدولة، بل أصبح "القارئ" نفسه. وعشنا لنرى طلابًا في بعض أرقى الجامعات العالمية يطالبون بوضع "تحذيرات من المحتوى" على الكلاسيكيات العظيمة: رواية "مستر دالوي" لفرجينيا وولف مثلًا، تُتهم بأنها قد تثير أفكارًا انتحارية، و"المسخ" لأوفيد تُصوِّر أفعال عنف قد تزعزع الأمن السايكولوجي لطلاب الشهادة الجامعية الأولى. ولعلَّ ذلك إقرار من القارئ المعاصر بضعفه أمام النص. وفي حين كان الرقيب القديم يرى القرَّاء كائناتٍ ضعيفةً تحتاج إلى الحماية، أصبح القرَّاء اليوم يطالبون بأن يُنظر لهم باعتبارهم ضعفاء، وبحقهم في عدم التعرض للصدمة. وتحوَّلت الرّقابة، التي كانت يومًا أداة لهيمنة المهيمنين، إلى ما يشبه "درع حماية" للمُهمَّشين والضعفاء.
لكن هذا التحوُّل لا يخلو من أخطار على جوهر عملية القراءة؛ لأن القيمة العظمى للأدب تكمن في قدرته على انتزاعنا من مناطق الأُلفة لدينا ووضعنا في مواجهةٍ مع "الآخر" ومع "المظلم" في دواخلنا.
لعلَّ المثال الأشهر في تاريخ الخوف من الكتب هو رواية يوهان فولفغانغ فون غوته "آلام الشاب فرتر" (1774م). إذ انتشرت تقارير عن موجة من الانتحارات في أنحاء أوروبا بسببها؛ لأن الرواية تحكي قصة شاب فنان يقع في حب امرأة مستحيلة، وينتهي به الأمر إلى الانتحار. ومع أن الأدلة العلمية على هذه الموجة كانت ضعيفة، كان الرد المؤسساتي عنيفًا وشاملًا. واتَّهم القسُّ تشارلز مور، في دراسته الضخمة "بحث شامل في موضوع الانتحار" (1790م)، روايةَ غوته بأنها المُحرِّض الأول على تدمير الذات بين الشباب. وفي ألمانيا، أدرج الطبيب يوهان بيتر فرانك "قراءة الروايات المسمومة" بوصفها أحد الأسباب الطبية للانتحار في كتابه "نظام السياسة الطبية الكاملة".
كانت تلك لحظة فارقة: العِلمُ والطبُّ يُسخَّران لتجريم الأدب. فلم يَعُد المنعُ على أسسٍ دينيةٍ فحسب، بل لأغراض حماية "الصحة العامة" للمواطنين.
الروايات الشعبية والسموم الفكرية
مع اتساع رقعة القراءة في العصر الفيكتوري، ظهرت "روايات البنس"، وهي قصص رخيصة الثمن مملوءة بالعنف والتشويق، أثارت ذعرًا أخلاقيًّا لم يسبق له مثيل؛ إذ اعتقد المربُّون أن هذه القصص "تحقن فيروسًا" في عقول أطفال الطبقة العاملة.
ووصم الفيلسوف الألماني آرتور شوبنهاور، في عام 1851م، "الكتب الرديئة" بأنها "سموم فكرية تدمّر العقل". وكان لافتًا في نقده ذلك الربط بين "الشعبية" و"السمية"؛ فكلما كان الكتاب أكثر رواجًا، كان أخطر؛ لأنه يعمل على تخفيض المستوى الثقافي وتلويث الوعي الجمعي.
الرقابة من "الأسفل" واختراع "التحذير"
بحلول القرن الحادي والعشرين، حدث تحولٌ مذهل ومفارقة تاريخية كبرى. لم يَعُد الرقيب هو القس أو الطبيب أو الفيلسوف أو الدولة، بل أصبح "القارئ" نفسه. وعشنا لنرى طلابًا في بعض أرقى الجامعات العالمية يطالبون بوضع "تحذيرات من المحتوى" على الكلاسيكيات العظيمة: رواية "مستر دالوي" لفرجينيا وولف مثلًا، تُتهم بأنها قد تثير أفكارًا انتحارية، و"المسخ" لأوفيد تُصوِّر أفعال عنف قد تزعزع الأمن السايكولوجي لطلاب الشهادة الجامعية الأولى. ولعلَّ ذلك إقرار من القارئ المعاصر بضعفه أمام النص. وفي حين كان الرقيب القديم يرى القرَّاء كائناتٍ ضعيفةً تحتاج إلى الحماية، أصبح القرَّاء اليوم يطالبون بأن يُنظر لهم باعتبارهم ضعفاء، وبحقهم في عدم التعرض للصدمة. وتحوَّلت الرّقابة، التي كانت يومًا أداة لهيمنة المهيمنين، إلى ما يشبه "درع حماية" للمُهمَّشين والضعفاء.
لكن هذا التحوُّل لا يخلو من أخطار على جوهر عملية القراءة؛ لأن القيمة العظمى للأدب تكمن في قدرته على انتزاعنا من مناطق الأُلفة لدينا ووضعنا في مواجهةٍ مع "الآخر" ومع "المظلم" في دواخلنا.
ندى حطيط: كاتبة لبنانية.