Hero image

رحلة الالتزام الأدبي

مايو – يونيو | 2026

مايو 14, 2026

شارك
تتأطر العلاقة بين الأدب والمجتمع، بوجهٍ عامٍّ، من خلال تطوُّر الإبداع وهو يواكب التحوّلات على مستوى الواقع، وعلاقة هذا الواقع بغيره من المجتمعات التي يتفاعل معها، وفي الوقت نفسه مع ما يطرأ من تغيّرات على البُنى الثقافيّة والفكريّة التي يتحدّد في نطاقها. ويبدو لنا ذلك بجلاءٍ في كون بعض النماذج المعرفيّة تظهر في حقبةٍ معيّنةٍ، وتختفي في أخرى، ثم تُعاود الظهور في زمنٍ آخر، متخذةً لبوسًا مختلفًا يتلاءم مع التطورات الجديدة. وخير مثالٍ يؤكد لنا ذلك مفهومُ "الالتزام الأدبيّ".

كان الإجماع على نموذج "الالتزام الأدبيّ" في الثلاثينيات في فرنسا يعني مختلف الأشكال التي بواسطتها يشارك الكاتب، من خلال أعماله، في النقاش السياسي والصراع الاجتماعي. وهو بهذا المعنى يناقض الجمالية المحضة، أو مقولة "الفن للفن". ولكي يتحقق الالتزام، كانت هناك دعوة للكتّاب كي يتحمّلوا مسؤوليتهم في الانخراط في النقاش العام، ومغادرة "البرج العاجي". لكن هذه الدعوة العامَّة اتّخذت في النقاش السوفيتي بُعدًا محدّدًا يتلخص في أن الالتزام بموجبه هو الدعوة إلى الأدب الثوري مقابل الأدب البورجوازي.

الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر أعطى في أواخر الأربعينيات معنًى للالتزام جعله متداولًا في النقاشات، وذلك من خلال ما عمل على توضيحه، سواءً في مجلة "الأزمنة الحديثة" (1945م)، أو كتابه "ما الأدب؟" (1948م)؛ إذ شدّد على التمييز بين الأدب الملتزم وغير الملتزم، مُبيّنًا الفروقات بينهما، التي تستمد أهم عناصرها من العلاقة بين الأدب والسياسة، وإن أبدى تحفّظًا تجاه ما يُعرف بـ"أدب الدعاية". 
 

لا يوجد نموذجٌ جديدٌ يمكن أن يلتفَّ حوله المفكرون والأدباء، والثورة الرقميّة أبرزت أشكالًا جديدة من الخطابات السرديّة لا علاقة لها بالتقاليد الماضية.

  انتهاء صلاحية مقولة الالتزام

 مع ظهور "الرواية الجديدة" و"البنيوية" وانتشارهما في السبعينيات، عُدّتْ مقولةُ "الالتزام" منتهية الصلاحية، وأصبح الالتزام الحقيقي مكرّسًا للشكل من خلال مقولة "النص" في بُعده اللغوي الذي ينبغي أن يركّز عليه الكاتب.
 يرى ألان روب غرييه أن "الأدب ليس له موضوع سوى ما يتعلق بذاته". وتلت ذلك "مرحلة ما بعد الحداثة" التي تتلخص في شيوع مقولة "النهايات": نهاية المرويات الكبرى (ليوتار)، ونهاية التاريخ والإنسان (فوكوياما)، ونهاية الأدب (فييار، دومانز)، التي تعلن مقولة "اللاالتزام"، متجاوزةً بذلك ما قِيل عن الالتزام "السياسي" أو "الجمالي" الذي ساد في المرحلتين السابقتين.

منذ بداية الألفية الجديدة أُعيد النظرُ في "الالتزام" في فرنسا عبر الدعوة إلى تجديده ليتلاءم مع التطوّرات الجديدة التي أفرزتها العولمة، وذلك من خلال إعادة طرح الأسئلة حول الأدب في ضوء النصوص الروائية وما عرفته من توجّهات جديدة تتجاوز ما كان سائدًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. غير أن هذه التحوُّلات لم تُنتِج نموذجًا جديدًا يمكن أن يلتفَّ حوله المفكرون والأدباء، كما أن الثورة الرقمية أسهمت في في بروز أشكال جديدة من الخطابات السرديَّة لا علاقة لها بالتقاليد التي كانت مُهيمنةً فيما مضى.
 
 التاريخ المميّز للالتزام الأدبي

 إذا كان هذا التحقيب لمفهوم الالتزام، وفقًا لما بات مطروحًا في النقاشات الفرنسية الحالية، وليدَ صيرورةٍ، فذلك لأنَّ له تاريخًا مميزًا. وبالنظر إلى ما عرفه مفهوم الالتزام الأدبي في التاريخ العربي الحديث نجده متصلًا بما كان مُهيمنًا في فرنسا والاتحاد السوفيتي. لقد هيمن الالتزام الأدبي في الكتابات العربية من الخمسينيات حتى السبعينيات، فكانت الدعوةُ موجّهةً إلى الكُتَّاب كي يضطلعوا بدورهم في نشر الفكر السياسي عبر الإبداع أو النقد.
 وكان نموذج الالتزام مُختزلًِا لهذا التوجّه من خلال الأدب الواقعي. وكان النقد الأيديولوجيّ الذي يُميّز بين المُبدِعين بحسب مواقفهم السياسية يسير في الاتجاه نفسه. ونعاين ذلك بجلاءٍ في كثرة ترجمة الأعمال الأجنبية التي تتبنى هذه الأطروحة، والكتابات النقديّة التي تتحدث عن "الأدب المسؤول"، أو عن الالتزام في الشعر لدى شاعرٍ معيّنٍ، أو عدة شعراء.
 

مع البنيويّة في النقد والرواية وُضِع الالتزام جانبًا، وصار الروائي يُجرّب أشكالًا وتقنيات جديدة في الكتابة، فحلَّ "التجريب" أو "الحساسية الجديدة" محل الواقعية.

 الوعي النقدي يتجاوز الالتزام

منذ بداية الثمانينيات، بدأ الوعي النقدي يتجاوز الالتزام بالمعنى السياسي الذي كان مُهيمنًا، وكان للبنيويّة أثرها الأكبر في التوجّه نحو "الشكل" على حساب "المضمون" الذي كان مُسيطرًا. وكما تعامل النقدُ العربيُّ مع الواقعيّة في الأدب، كان اختزاله للبنيويّة في "النص ولا شيء غير النص"، مستفيدًا في ذلك من كتابات "الشكلانيين الرُّوس"، والنظريات البنيويّة في تركيزها على "الدال" مع السرديّات، أو "المدلول" مع السيميائيّات. وإذا كانت الواقعية انصبّ اهتمامها بالشعر، فقد كانت "البنيويّة" عندنا مهتمةً أكثر بالرواية التي صارت "ديوان العرب" في القرن العشرين.

 مع البنيويّة في النقد والرواية العربِيَّيْن وُضِع الالتزامُ جانبًا. فالروائي يُجرّب أشكالًا وتقنيات جديدة في الكتابة. فحلَّ "التجريب" أو "الحساسية الجديدة" محلَّ الواقعيّة. وفي النقد الروائي، اختفى البطل الثوريّ والإشكالي، ورؤية العالم، والنزوع الثوريّ، لتجد مقولاتٌ مثل: الزمن، والسّرد، والأسلبة، وتعدُّد الأصوات، موقعًا في الدراسات والأبحاث. ثم سرعان ما جاء "النقد الثقافي" ليُعلن القطيعة مع النقد البنيويِّ منذ أواخر التسعينيات بدعوى أن قيمة الأدب ليست فيما يُقدّمه الشكلُ الذي لا يمكننا أن نتطوّر فيه، ولكن فيما يُخفيه من مضمرات "النسق المخبوء في اللاوعي الجماعي" التي لم يلتفت إليها النقد الأدبيّ. وكان المنطلقُ من مسألة صورة المرأة في الشعر، والتمييز بين مقولتي: الفحولة والأنوثة. وبذلك انتقل النقد العربيُّ من البنيويّة الفرنسية إلى النقد الثقافيّ كما تبلور في الكتابات الأنجلو - أمريكية.
 

من اليمين لليسار: جان بول سارتر، د. عبدالله الغذامي، إدوار الخراط.

 الفرق بين الرؤيتين الفرنسية والأنجلو - أمريكية

 لم تعرف الثقافةُ الأنجلو - أمريكية ما عرفَتْه فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية مع نموذج الالتزام وما بعده. فأمريكا كانت ضد الشيوعيّة، فلم تنتشر فيها مقولةُ "الالتزام". كما أنها لم تعرف البنيويّةَ الشكليّة. لقد هيمنت فيها الدراسات الثقافيّة التي برزت في الستينيات من القرن الماضي، بوصفها تطويرًا للنقد الجديد في ضوء التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة، وما شهدته تلك المجتمعاتُ بعد الحرب الثانية من هجانةٍ اجتماعيةٍ، نتيجة تزايد المهاجرين من جنسيات متعددة، وتحوّلات سياسيّة واقتصاديّة مع زوال الحرب الباردة، وبروز الثورة الرقميّة، وممارسة الهيمنة العالمية.

وتبعًا لذلك، بدأت العلاقةُ بين الأدب والمجتمع تتحدّد من خلال مفاهيم: السلطة، والهوية، والأيديولوجيا، مع تأثير الحركات النسائيّة، والجماعات الاجتماعيّة ذات الخصوصيّة. ومع اختلاط التيارات وتعدّدها المطالبة بحقوقها الخاصة، برزت مقولاتٌ جديدة مثل: السلطة، والهيمنة، والهويات المتعددة، والجندر، والعلاقة بين المركز والهامش، والثقافة الرسميّة والشعبيّة. وكانت الدراساتُ الثقافيّة والنقد الثقافيّ ونظريات ما بعد الاستعمار، تصبُّ جميعُها في هذا المنحى، باعتبارها "مظلةً واسعةً" تتجسّد من خلال دراسة الظواهر الثقافيّة ضمن سياقٍ تاريخيّ وثقافيّ واجتماعيّ عام. ولا تعمل في ضوء ذلك على دراسة الأدب جماليًّا، أو من خلال مقولة الالتزام، ولكن من خلال تفكيك المركزيات والمضمرات الأيديولوجية عبر تأويل تلك التمثّلات المختلفة.

في الوقت الذي بدأ النقد الثقافي يسود في الساحة الأدبيّة العربيّة، مستلهمًا ومستنسخًا أهم مقولاته حول السلطة والهويّة والجسد، ظهر في الدراسات السرديّة الأنجلو - أمريكية والعالمية منذ أواخر التسعينيات، مفهوم "السرديّات ما بعد الكلاسيكيّة" الذي عدَّ المرحلة البنيويّة الفرنسية مهمّةً لتجديد دراسة السّرد وتطويره بصورةٍ جديدةٍ. وكانت سرديّات جيرار جنيت البنيويّة نقطةَ ارتكازٍ لدرجةٍ وُسِم فيها مُنجَز جنيت بـ"السرديّات الكلاسيكيّة"، بما تحمله كلمة "كلاسيكي" من دلالاتٍ عميقةٍ دالةٍ على الأصول التي لا يمكن تجاوزها في التجديد والتطوير.

إن الأسئلة التي رأيناها في المرحلة الأخيرة من تطوُّر مفهوم الالتزام في فرنسا هي التي اشتغلت بها "السرديّات ما بعد الكلاسيكيّة" عبر اتجاهاتٍ مختلفةٍ بدأت بالتبلور منذ بداية الألفية الجديدة. فعاد الاهتمام بجمالية السَّرد وخصوصيته (الشكل)، مع الانفتاح على ما يحيط بالنص (السياق) من ظواهر تتصل بالمجتمع والثقافة والنفس، مستفيدةً من العلوم المعرفيّة، ونظرية الذهن، والعلوم العصبيّة، والتقنيات الرقميّة، وما عرفته العلوم الإنسانية والاجتماعية من تطوّر في علاقتها بالتطوّر العلميّ والمعرفيّ، وغيرها من الحقول والمجالات المعرفيّة. ومن هنا، برزت السرديّات المعرفيّة، والنفسيّة، والنسائيّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة، وغيرها.
 
الحال عربيًّا

لم يتطابق مفهوم الالتزام مع واقعنا العربي الذي لم تكُن فيه طبقاتٌ بالمعنى الذي عرفته أوروبا منذ الثورة الصناعية. كما أن البحث في "المضمرات" لا يتأسّس على تاريخٍ مُنجزٍ للثقافة العربية؛ إذ لم يُدوَّن هذا التاريخُ بدقةٍ تُمكّننا من فهمه والكشف عن مضمراته. والمفاهيم المستقاة من النقد الثقافيّ الغربيّ لا علاقة لها بواقعنا. فمقولات "الجنوسة" والهوية وغيرها ليست سوى مستنسخاتٍ من مجتمعاتٍ هجينةٍ، قائمةٍ على واقع "ديمقراطي" يستجيب لمطالب قوى ناخبةٍ متجدّدةٍ. أمَّا في الوطن العربي، فإن هيمنة هذه المقولات لم تكُن وليدةَ تطوّرٍ ذاتيٍّ، بل نتاج إملاءاتٍ خارجيّةٍ؛ إذ إن قضايا مثل "الأمهات العازبات"، و"العلاقات الرضائية"، و"الهوية" وغيرها، لم تُطرح في السياق العربي عبر تاريخه.

لا جدال في أن للأدب طبيعةً ووظيفةً، وأن التركيز على بُعدٍ منه بناءً على أطروحة الالتزام هو انحياز أيديولوجي إلى طبقةٍ محددةٍ. ولا يختلف النقد الثقافيّ بدوره عن انحيازٍ أيديولوجيٍّ إلى "الجنوسة" بوصفها تعبيرًا عن المضمر النصيّ الذي تغيّبه الثقافة الذكوريّة. ليست الأيديولوجيا هنا سوى تأويل مسبق لأفكار يُروّج لها باتّخاذ الأدب منطلقًا للدفاع عن أطروحةٍ لها غاياتٌ ومقاصد خاصة. وما تغييب البعد الجوهريّ للإبداع سوى تجلٍّ لتحوّلاتٍ في مفاهيم تتجدّد لتكريس تصورات وتمثّلات للواقع في علاقة الأدب به.
 

 

سعيد يقطين: ناقد وباحث مغربي.