Hero image

العلم + الأدب

مايو – يونيو | 2026

مايو 21, 2026

شارك
في عام 2022م، وفي خضمِّ عالَمٍ كان ولا يزال يعاني آثارَ وباء كورونا، وتحدياتٍ مناخيّةً قاسيةً، ويتجه نحو مستقبلٍ تشكّله قفزاتٌ نوعيّةٌ في مجال العلوم والتكنولوجيا، من تعديل الجينات إلى الحوسبة الكمومية، أطلقت "مؤسسة الكتاب الوطنية" في الولايات المتحدة الأمريكية، راعية النبض الأدبي منذ عام 1950م، برنامج "العلم + الأدب". أمَّا الهدف، فكان تقريب المفاهيم العلمية إلى العامة عبر الأدب، بالاستفادة من قوة السّرد في تبسيط المفاهيم المُعقّدة وإثارة الحوارات الأخلاقيّة والفكريّة.

 لطالما دافعت "مؤسسة الكتاب الوطنية" عن الأصوات الأدبيّة المتنوعة من خلال رعايتها لسلسلة جلسات حوارية مباشرة يُحلل فيها الكتّابُ والمؤلفون أعمالهم، ويناقشون مختلف القضايا الفكرية. ولكن بحلول عام 2021م، كانت المديرة التنفيذية للمؤسسة روث ديكي وفريقها يتوقون إلى طموحّ ثقافيٍّ أكبر يهدف إلى تسليط الضوء على الأدب الذي يتناول العلوم والتكنولوجيا، ويعزّز مهمة المؤسسة. فتعاونوا مع مؤسسة ألفريد ب. سلون، وهي مؤسسة رائدة في مجال العمل الخيري العلمي، كما موّلت أيضًا مشروعاتٍ متنوعةً، بدءًا من فِلم "أوبنهايمر"، إلى مركبات استكشاف الفضاء السحيق. فكان ثمرة ذلك برنامج برنامج "العلم + الأدب" بتمويل من المؤسسة بمنحةٍ قدرها خمسمائة وخمسة وعشرون ألف دولار على مدى ثلاث سنوات، تتوزّع ما بين جوائز بقيمة عشرة آلاف دولار لثلاثة كتب سنويًّا، وفرصٍ لتنظيم فعاليات في المكتبات العامة والمعارض والمؤسسات الثقافية عبر أرجاء البلاد.

بدءًا من شتاء عام 2022م وربيعه، شُكّلت لجنةٌ ضمّت نخبة من العلماء والكتّاب والمفكرين لاختيار الكتب المستحقة للجائزة السنوية، حيث يُختار كتاب واحد في كلٍّ من: الأدب الواقعي، والشعر، والخيال. وتركّز هذه اللجنة على الأعمال التي تُعلي شأن التنوّع في الكتابة العلمية لتكون "حافزًا لخلق حوارٍ وفهمٍ وتفاعلٍ مع العلوم لدى المجتمعات في جميع أنحاء البلاد".

وجديرٌ ذكره أن هذا البرنامج لم يولد من فراغ، بل لبّى شغفًا فطريًّا، حيث كان الناس في عصر تطبيقات تيك توك واكس سريعة الإيقاع، يتوقون إلى قصص أدبيّة عميقة، تُزيل الغموض عن الثقوب السوداء والتكنولوجيا الحيوية ومختلف الاكتشافات العلمية دون الإفراط في تبسيطها. كما كان هناك إحساس جمعي بأن مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) طالما كانت حكرًا على الرجال، ولا سيَّما البيض منهم، وأن هذه العلوم بحاجةٍ إلى سردٍ روائيّ مؤثر للوصول إلى أصحاب الأحلام اليومية من مختلف الأطياف والأجناس. لذلك استجاب البرنامج لهذه الحاجات بإعطاء فرصةٍ للأصوات المهمشة من النساء اللواتي يكسرن الحواجز، والسكان الأصليين، والمُهاجرين أيضًا.

أمَّا الكتب الفائزة لعام 2022م، فكانت كتاب "قبلة حشرة شاغاس" (أدب واقعي) لديزي هيرنانديز، التي تروي معاناة عائلة أمريكية من أصل بورتوريكي مع داء شاغاس، وهو وباء صامت يصيب 300 ألف أمريكي سنويًّا، معظمهم من اللاتينيين. ومن خلال أسلوبها الأدبي، تكشف هيرنانديز عن أوجه عدم المساواة في الرعاية الصحية، مطالبةً بإصلاح السياسات الصحية، والاهتمام أكثر بالمجتمعات المُهمَّشة. وهناك كتاب "الحياة المشرقة للحيوانات" (شعر) لليندا هوغان، المُستوحى من جذورها في قبيلة تشيكاساو في كولورادو، وتُعيد فيه تخيّل الحياة البرية بوصفها كائناتٍ واعية وسط الانهيار البيئي. فتتحدث هوغان بلسان الحيوانات، مستحضرةً حكمة السكان الأصليين، وتدافع عن التناغم مع الطبيعة. بالإضافة إلى كتاب "في الحقل" (رواية) لراشيل باستن، الذي يُجسّد سيرة باربرا مكلينتوك، الحاصلة على جائزة نوبل في علم الوراثة للذرَّة، في سياق صراعها مع هيمنة الذكور على الأوساط الأكاديمية. فتُسلّط الكاتبة الضوء على المثابرة، مُحوِّلةً الصراعات العلميّة إلى قصة عالمية عن عبقرية لم تحظَ بالتقدير الكافي.

بين عامي 2023م و2026م، شهد برنامج "العلم + الأدب" توسعًا ملحوظًا، معتمدًا على نجاحه الأولي ليغطي موضوعات علميّة حيويّة معاصرة. فتناول الفائزون اللاحقون قضايا مثل الذكاء الاصطناعي وأخطاره الأخلاقية، والتشابك الكميّ الذي يُعيد تفسير الواقع، وأرقام الميكروبيوم التي تكشف عن سرّ الصحة البشريّة. أمَّا مختارات عام 2026م، فهي مجموعة شعرية تستكشف الزمن الجيولوجي العميق، ومذكراتٍ في التكنولوجيا الحيوية، ورواية خيالٍ علمي مناخي. وجدّدت مؤسسة سلون تمويلها، ضامنةً بذلك استمرارية برنامج "العلم + الأدب" وتطويره لأعوام عديدة قادمة، ومعزّزةً دوره في ربط العلم بالقصص الإنسانية.

يُثبت برنامج "العلم + الأدب" دور الأدب الحاسم في نشر الثقافة العلميّة؛ إذ يحرّر العِلمَ من عزلته الجافة، ويحوّله إلى جسر إنساني يعبر بالعامّة إلى أعماق المفاهيم المُعقدة. فالمعادلات تُثري المعرفة، والقصص تُغيّر المفاهيم. كما تُسهم برامجُ كهذه في مدّ جسور التواصل بين "ثقافتين": العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، اللتين لطالما كانت الهوةُ كبيرةً بينهما.