
قلة قليلة أولئك الذين لا يعرفون (ابن خلدون)، وقلة قليلة أولئك الذين يعرفون لماذا يعرفون ابن خلدون!
لا تكاد تخلو مدينة عربية من تسمية أحد شوارعها أو مدارسها أو حتى متاجرها باسم "ابن خلدون"، بل وفنادقها ومطاعمها أحيانًا. فمن ابن خلدون هذا الذي شغل زوايا المدن العربية، وماذا عمل كي يحظى اسمه بهذه المكانة الرنّانة؟!
والإجابة بكل إيجاز ووضوح: أن سر هذه المكانة كتابٌ واحد: "مقدمة ابن خلدون"، ولم يكُن لكتبه الأخرى ذلك الأثر أو التأثير. لكن المفارقة، أن هذه الملايين التي تعرف ابن خلدون ليس منها سوى المئات أو العشرات الذي قرأوا المقدمة الخلدونية الخالدة، فلماذا انتشر اسمه أكثر من انتشار عمله؟
بل ومن عجائب تلك الشخصية، أنه على عكس ما يحظى به ابن تيمية مثلًا من اهتمام وقبول لدى فئة المتدينين، وابن رشد من اهتمام وقبول لدى الفئة الأخرى، فإن ابن خلدون يمثل حالةً شبه استثنائية من حيث قبوله لدى الفئتين!
فلماذا هذا التعاطف والذيوع الذي يحظى به ذاك المفكر الحضرمي، التونسي، الأندلسي؟
يكبر هذا السؤال ويتعاظم عندما تطالع النقد القاسي الذي واجهه ابن خلدون ومقدمته من بعض المفكرين العرب، أمثال: ساطع الحصري وطه حسين وأحمد أمين، ممن لم تؤثر انتقاداتهم في تقليص المكانة "الشعبية" لابن خلدون في الشارع العربي، مثلما أثّرت في أسماء عربية تاريخيّة ومعاصرة أخرى.
ورغم ذيوعه الشعبي، فإنك عندما تقتحم المنابر النخبوية، المقروءة والمسموعة، ستجد موقفًا مغايرًا من ابن خلدون، يتراوح بين القبول والرفض، والمدح والذم، والاعتراف بريادته الفكرية وإنكارها.
هذا الحال المعاصر شبيه بالحال الذي كان في حياة ابن خلدون نفسه، إذ رغم محبة الناس الجارفة له وتزاحمهم على دروسه وإعجابهم بأطروحاته، فقد كان يواجه عنتًا ومكايدة من كثير من مجايليه من الكتّاب والعلماء، إما بسبب الوشايات التي أخذت موقعها مثلًا من الوزير المثقف لسان الدين ابن الخطيب في غرناطة، أو بسبب الحظوة الجماهيرية التي اقتطعها من علماء البلد الذي هاجر إليه ابن خلدون، كما فعل ابن حجر العسقلاني معه في القاهرة.
لكن هذه الوشايات والمكايدات التي أورثت ابن خلدون مشقة الترحّل في حياته من بلدٍ إلى آخر لم تؤثر في سمعته ومكانته التي حظي بها منذ كتابته المقدمة حينذاك، ثم تجدّدت في العصر الحديث منذ اكتشاف المخطوطة الأولى لها، بعد أن اندثرت طوال قرون، وحتى اليوم.
لنحاول فحص أسباب هذا الذيوع والقبول الواسع لابن خلدون منذ وفاته عام 808هـ/ 1405م حتى اليوم:
أولًا: كان ابن خلدون شخصًا توافقيًّا فريدًا، إذ على الرغم من تديّنه "السلفي" الذي بدت ملامحه واضحةً في نصوص المقدمة، وخصوصًا عند حديثه عن علم الكلام والمِلل والنِّحل التي تكاثرت في زمانه، قد ظهر من جهةٍ أخرى في المقدمة رجلًا طليعيًّا، يقرأ التاريخ قراءةً "حداثية"، ويفسر الوقائع ويفكر في دوافعها ومآلاتها تفكيرًا خارج الصناديق. مستحضرين في أذهاننا أن توقيت حياة ابن خلدون ونشأة عمله الفكري الخالد كان متزامنًا مع أواخر عصور الازدهار والأنوار العربية والإسلامية، إذ سقطت غرناطة آخر معاقل عصر النهضة العربية بعد وفاة ابن خلدون بتسعين عامًا فقط!
ثانيًا: الزوايا الفكرية المتعددة والمتنوعة لنصوص المقدمة في التاريخ والسياسة والاجتماع والاقتصاد، وطبيعتها التداولية "المستدامة" جعلتها ذات قابلية لحمولة مقولات مفبركة على ابن خلدون، تتوالد حتى اليوم. فكل من لديه فكرة مهددة بعدم القبول، أو مقولة متلبّكة على الهضم الجماهيري فإنه يذيّلها باسم ابن خلدون، ليكون هذا الاسم "المقبول" مقاومًا للتهديد ومعالجًا للتلبّك!
ولن يعطي اسم ابن تيمية أو ابن رشد أو ابن حنبل والفارابي تلك الفكرة أو المقولة المفعول نفسه في الذيوع والقبول.
ومن جديد أتساءل؛ هل هذا الذيوع والشيوع قد خدم أعمال ابن خلدون وخصوصًا "المقدمة"، أم إنه قد خدم اسمه فقط؟!
د. زياد الدريس: كاتب ومستشار ثقافي سعودي.