
لوقت طويل، ارتبط المطبخ في النقاشات الاجتماعية بصورة تقليدية معبّرة عن دور المرأة، حتى أصبح الخروج منه تعبيرًا مجازيًّا عن التحرّر من الأدوار القديمة، والعودة إليه نقيضًا لذلك. غير أن السنوات الأخيرة ربما تدعونا للنظر إلى المطبخ من زاوية أخرى، بعيدًا عن ثنائية البقاء فيه أو مغادرته.
على الرغم من دخول النساء مختلف حقول العمل وميادينه في عصرنا الحالي، وأصبح بعضهن عالمات، أو رائدات فضاء، أو سيدات أعمال، أو جنديات، أو عاملات في المكاتب أو المصانع، وحتى رئيسات وزراء، فإنّ فئة كبيرة من النساء حول العالم لا تزال تؤدي كثيرًا من أعمال الرعاية من دون مقابل مادي. فقد نشرت منظمة العمل الدولية تقريرًا في عام 2018م حول الرعاية ووظائفها ومستقبل العمل اللائق، أظهر أن أكثر من ثلاثة أرباع أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر تنجزها النساء.
وقدّرت المنظمة في تقريرها أن نسبة العاملات من دون أجر بلغت 76.2% من إجمالي عدد العاملين في مجالات التمريض والتعليم والأعمال المنزلية. كما كشف التقرير أن النساء يُمارسنَ أعمالًا غالبيتها منزلية؛ إذ تُعادل هذه الأعمال 3.2 ضعف عدد ساعات العمل التي يؤديها الرجال في مختلف المجالات.
الحضور الدائم للمطبخيشير تقرير آخر بعنوان "التقدّم في أهداف التنمية المستدامة: لمحة عن النوع الاجتماعي 2024" صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة، إلى أن النساء والفتيات يقضينَ في هذه الأعمال يوميًّا ما يزيد على 2.5 ضعف الوقت الذي يقضيه الرجال. وهذا يعني أن أدوار المرأة اتّسعت وتجدّدت، ومع ذلك بقي المطبخ وما حوله من تفاصيل الحياة المنزلية حاضرًا في حياة المرأة مهما تبوّأت من مراكز وظيفية في الحياة العامة.
والمفارقة أن هذا الحضور بدأ يكتسب في السنوات الأخيرة معنًى مختلفًا؛ إذ برز بين الأجيال الشابة من الفتيات توجّهٌ لافتٌ بات يُعرف بـ"هوايات الجدّات"، وهي ممارسات تشمل صناعة الخَبْز والحياكة والتطريز والبستنة، وتضطلع الفتيات من خلالها بإعادة اكتشاف ذواتهن، خصوصًا أن هذه الممارسات تُوصف بأنها أنشطة بطيئة تمنح ممارسيها مساحةً للابتعاد عن الشاشات وإيقاع الحياة المتسارع.
وفي تقرير نشرته وكالة "أسوشيتد برس"، في مارس 2026م، حول انتشار "هوايات الجدّات" بين الأجيال الشابة، رصدت فيه إقبال أعداد متزايدة من الفتيات الشابات على هذه الهوايات؛ إذ إن هذه الظاهرة تجاوزت كونها موضةً ارتبطت سابقًا بفترة جائحة "كورونا"، لتستمر بعدها بوصفها وسيلةً للابتعاد عن العالم الرقمي واستعادة متعة العمل اليدوي. واللافت في هذه العودة أنها لا تبحث عن الطرق المختصرة أو الأكثر عملية، بل عن أكثرها احترافية وتفصيلًا وأصالة. ومن بين تلك الأعمال، على سبيل المثال، العودة إلى تحضير الخميرة الطبيعية في المنزل، بما تتطلبه من رعاية تشبه رعاية طفل رضيع؛ تُغذّى أيامًا حتى تصبح جاهزةً لخَبز الأرغفة، ثم يُحافظ عليها عبر خطوات دقيقة لتبقى مصدرًا حيًّا للخميرة، وذلك للاستغناء تمامًا عن الخميرة الفورية الجاهزة مسبقًا. وبعد أن غاب إعداد الخبز عن كثيرٍ من المنازل لعقود، إثر توافره في المخابز الحديثة بسهولة وأسعار زهيدة، نجده اليوم يعود بقوة، مثل خبز "السوردو"، وأنواع أخرى تقتحم المطابخ المنزلية بقوة.
عودة اختيارية إلى مساحة حياة
قد يبدو للوهلة الأولى أن مثل هذه الهوايات ترتبط بمَن يملكنَ وقتًا وافرًا، إلا أن الواقع مختلف. فمن بين أمهر الحائكات والخبّازات طبيبات استشاريات، ومديرات مشروعات، ووكيلات مدارس، وسيدات أعمال، وطالبات جامعيات.
تعود السيدات اليوم إلى المطبخ والحياكة والبستنة بوصفها مساحاتٍ لاستعادة التوازن، والتواصل مع جوهرهنَّ الأنثوي الهادئ. وربما كان ذلك أحد مظاهر عصر ما بعد النسوية، أو ما يمكن تسميته بـ"النسوية الناضجة"؛ إذ تستطيع المرأة أن تستعيد ما تشاء من الأدوار القديمة بعد أن تحرَّرت منها سابقًا.
وبهذا، تبدو صورة المرأة التي تستيقظ فجرًا، وترفع أكمامها حتى المرفقين، وتضع يديها العاريتين في عجينة هشّة وناعمة وحنونة، مختلفةً اليوم عما كانت عليه قبل عقود. فقد تكون امرأة اختبرت العالم خارج المطبخ، وتعلّمت وعملت وأنجزت، ثم عادت إليه بإرادتها.
لعلّ المطبخ، في نهاية الأمر، أكبر من الصورة التي اختُزل فيها طويلًا؛ فقد يكون مملكةً صغيرة متكاملة، ومقرّ إدارة، ومشفًى، ومكانًا للرعاية والاحتفاء، ومصدرًا للقوة. فليست قيمته في البقاء فيه أو مغادرته، بل في المعنى الذي يمنحه للمرأة حين يصبح واحدًا من مساحات حياتها، لا المساحة التي تحدّدها.
سلمى بوخمسين: كاتبة وقاصة سعودية.