Hero image

فخ الغضب

سبتمبر – أكتوبر | 2026

أغسطس 23, 2026

شارك
في لحظة، قد تتحول الشاشة إلى محكمة: متهم، وظلم لا يحتمل الصمت، وحُكمٌ لا يحتاج إلا إلى إصبع يضغط زر المشاركة. لا يدعونا المحتوى إلى الفهم بقدر ما يدفعنا إلى إعلان موقفنا. فالإقناع يحتاج إلى حجة، أما الاستفزاز فقد تكفيه لقطة مبتورة أو عنوان يستدعي غضبنا. وما إن نستجيب حتى نمنحه ما يبحث عنه: وقفة أطول، وتعليقاً، ومشاركة، وربما خصومة تتجاوز المنشور.
لهذه الحيلة اسمٌ مألوف في الثقافة الرقمية: “فخّ الغضب” (Rage Bait)، أي محتوًى مصمّمٌ عمدًا لإثارة الغضب أو السخط لزيادة التفاعل. وقد اختارته مطبعةُ جامعة أكسفورد كلمةَ عام 2025م، بعدما تجاوز كونه حيلةً لجذب النقرات، وصار وصفًا لعلاقة جديدة بين انفعالاتنا والمنصات التي تستثمر آثارها.


ومع ذلك، ليس كل ما يغضبنا فخًّا، ولا كل غضب نتيجة تلاعب. فقد يكشف المحتوى ظلمًا حقيقيًّا، ويكون السخط عليه علامة على يقظة الضمير. الفارق في الوظيفة التي يُستدعى الغضب لأدائها: هل يُعرض الحدث ليوسّع فهمنا، أم أنه يُرتَّب لينتزع منا استجابة؟

الغضب قبل التحقّق
يرى الفيلسوف أرسطو أن الغضب هو نزوعٌ مؤلم إلى الانتقام من استخفافٍ وقع بغير استحقاق. ويكشف هذا التعريف أن الغضب ليس حرارة تعلو في النفس، بل حكمٌ على معنى ما حدث. وقبل أن ندرك ذلك، يقدّم رواية أولية: تجاوز، ومذنب، ومعهما موقف ينبغي اتخاذه. وبين الواقعة وهذه الرواية مساحة حاسمة؛ فقد يكون ما رأيناه صحيحًا، أو مبتورًا من سياقه، أو حقيقة أُرفقت بتأويلٍ جاهزٍ للنوايا.

والغضب ليس انفعالًا ساكنًا؛ فبينما قد يدفعنا الحزن إلى الانكفاء، يدفعنا الغضب إلى المواجهة والتصحيح. وقد وجدت دراسات أن المحتوى المثير لانفعالات عالية الاستثارة، كالغضب والقلق والدهشة، ارتبط بمشاركة أكبر من المحتوى المثير لمشاعر منخفضة الاستثارة كالحزن. فالعامل الحاسم ليس سلبية الشعور، بل ما يوقظه من استعداد إلى الحركة.

وعلى المستوى العصبي، تستجيب شبكات معنية برصد الأهمية للمثيرات ذات الصلة السلوكية، فتوجّه إليها الانتباه. وحين يُفسَّر المشهد بوصفه تهديدًا أو انتهاكًا، يرتبط الغضب بالاستعداد للفعل؛ من غير أن يكون استجابة آلية مستقلة عن تفسيرنا للمشهد وسياقه.

لكن الغضب لا يجذب الانتباه فقط؛ بل يمنح الاستجابة لزوم الواجب. لا يقول: “انظر”، بل: “افعل شيئًا”. يمنحنا موقفًا، ويجعل التريث يبدو تخاذلًا. وهنا جاذبيته: يمنحنا يقينًا أسرع من المعرفة، ويختصر المشهد إلى ظالم ومظلوم، وحق وباطل، ونحن وهم.

ويساعد نموذج دانيال كانيمان على تفسير رسوخ هذا اليقين؛ فـ”النظام الأول” يلتقط الرواية الأولى سريعًا، مستعينًا بالاختصارات الذهنية، بينما يحتاج “النظام الثاني” إلى جهدٍ كي يختبرها ويقاوم ما فيها من اختزال. والغضب لا يخلق انحيازاتنا المعرفية، لكنه يرفع ثقتنا بالأحكام الأولى التي تنتج عنها، فيجعلنا أقل ميلًا إلى مراجعتها وأكثر استعدادًا للبحث عما يؤكدها.

ولعلّ أخطر ما في الفخ أنه قد يستثمر أنبل ما فينا: النفور من الظلم، ونصرة الضعيف، والحرص على القيم. فهو يقنعنا بأن سرعةَ الرد دليلٌ على نقاء الموقف. وهكذا قد يُستعار وهج قضيةٍ عادلة لإعفاء المحتوى من التحقق؛ فليس كل من يستثير إحساسنا بالعدل يريده أن يتحقق؛ فبعضهم يريد منا فقط أن نضغط زر المشاركة.

وفي كتاب “انفعالات النفس”، يذهب الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت إلى أن الانفعالات لا تثير الانفعالات فحسب، بل تهيّئ الإرادة للفعل، وتبقي بعض الأفكار حاضرةً في النفس. وتكمن فائدتها في تثبيت ما يستحق الانتباه، لكن خطرها يبدأ حين تُمنح فكرةٌ ما قوةً واستمرارًا يتجاوزان ما تستحقه.

أما في البيئة الرقمية المعاصرة، فتوضح الباحثة في علم النفس والأعصاب مولي كروكيت أن الغضبَ الأخلاقي انفعالٌ قديم يؤدي وظائف اجتماعية، كإدانة المخالف وإعلان معايير الجماعة. لكن المنصات غيّرت شروطه: كثّفت تعرّضنا لمشاهد الانتهاك، وخفّضت كلفة إعلان السخط، وسرّعت مكافآته. فالمنصة لم تُنشئ غضبنا، لكنها وسّعت سوقه واختصرت المسافة بين استثارته والتعبير عنه.
ليست المشكلة في أن نغضب، بل في أن يتحول غضبنا إلى استجابة يمكن استدعاؤها وقياسها واستثمارها.
 
اقتصاد الغضب
يبدأ اقتصاد الغضب حين يُترجم الانفعال إلى أثرٍ قابلٍ للقياس. فالمنصة لا ترى جرح الكرامة أو الشك الذي أعادنا إلى المقطع؛ بل ترى السلوك الذي تركه الانفعال: توقفنا، وكتبنا، وشاركنا، ثم عدنا لنعرف من أجابنا. في لغة الضمير كان ذلك رفضًا؛ وفي لغة النظام كان تفاعلًا. وهكذا قد نقاوم المنشور أخلاقيًّا، لكننا نكافئه خوارزميًّا.

وفي اقتصاد الانتباه، تنشأ قيمة هذه الإشارات من قابليتها للتوقُّع والاستثمار. فإذا أطال الاستفزاز بقاءنا أو دفعنا إلى العودة، عُدَّ المحتوى جديرًا بمزيد من العرض، بصرف النظر عن موقفنا منه. وحين تُختزل المشاعر إلى مؤشراتٍ سلوكية، يفقد الفرق بين الاعتراض والإعجاب أهميته أمام الخوارزميات؛ فكلاهما يعني أن المحتوى استوقف انتباهنا.

ولا تبقى هذه الإشارات مُبعثرة؛ فتراكم آثارنا الرقمية يتيح للأنظمة بناء تصوراتٍ احتمالية عن ميولنا واهتماماتنا، وتعلُّم الموضوعات والصيغ التي استوقفتنا أو أثارت تفاعلنا. وهكذا يصبح فخ الغضب أكثر تخصيصًا، إذ يُعاد إلينا توجيه ما أثارنا من قبل في صور جديدة.

ويتلقى صانع المحتوى الدرس نفسه؛ منشورًا متزنًا يمر بهدوء، وآخر حاد يرفع الأرقام. ومع التكرار، قد يصبح الغضب أسلوب إنتاج: عبارةً أشد استفزازًا، ومشهدًا منزوعًا من سياقه، وخصمًا يُستدعى كلما خَفَتَ التفاعل. وقد أظهرت دراسة أن المكافآت الرقمية تزيد احتمال تكرار التعبير عن الغضب الأخلاقي. فالمنصة لا تكافئ المنشور وحده؛ بل تعيد تدريب ناشره.

يمكن وصف هذه السلسلة بـ”تحويل الغضب”، وهي إحساسٌ أخلاقي يؤدي إلى استجابةٍ سلوكية، ثم إشارةٍ رقمية، ثم قيمةٍ اقتصادية أو اجتماعية. وما يضيع في أثناء التحويل هو التمييز بين غضبٍ يطلب إنصافًا وغضبٍ استُثير لتوليد التفاعل؛ فكلاهما يُختزل إلى مؤشرات قابلة للاستدعاء والتكرار. عندئذ لا يُتاجَر بالغضب بوصفه شعورًا، بل بقابليته للتحوّل إلى انتباه وأتباع وشعور بأننا لم نصمت.


الغضب بوصفه هوية
يبلغ فخ الغضب طورًا أعمق حين ينتقل من اختبار الرأي إلى اختبار الهوية. فما إن يمس المحتوى مَن تنتمي إليهم، حتى يتحول السؤال من “ماذا حدث؟” إلى “مع من تقف؟”. يصبح الغضب شارة انتماء، والمشاركة أداءً للولاء، بينما يبدو طلب السياق ترددًا في نصرة الجماعة.

وقد صاغ هنري تاجفيل وجون تيرنر “نظرية الهوية الاجتماعية” لتفسير كيف يستمد الإنسان جانبًا من هويته من جماعاته. وتؤثر هذه الهوية فيما ننتقيه ونفسّره ونراه تهديدًا. لذلك يكفي الفخ أن يقنع الفرد بأن "جماعته" أُهينت؛ وحين يصبح الخلاف امتحانًا للهوية، يغدو التراجع عن الحكم تهديدًا للانتماء، لا مجرد مراجعةٍ للرأي.
غير أن الشاشة لا تعرض صورة متوازنة للمجتمع؛ فأنظمة الترتيب لا تختار الأكثر تمثيلًا، بل الأكثر جذبًا للتفاعل. نرى أغلظ العبارات، ثم نقرأها كأنها لسان الطرف الآخر كله. ومن هنا يشبّه عالم الاجتماع كريس بيل المنصات بمرشِّحٍ ضوئي لا مرآة: فهي لا تعكس صورة المجتمع كما هي، بل تعيد تشكيلها، فتضخّم بعض الأصوات، وتدفع أخرى إلى الظل، وتشوّه تقديرنا لحجمها الحقيقي.

وتتضح الآلية في الخطاب الانتخابي، حيث تُبنى بعض الرسائل حول الخصم أكثر من البرنامج. فقد وجدت دراسات أن الإشارة إلى الحزب المنافس ترتبط بارتفاع مشاركة المنشورات، وأن استحضار خصم حزبي “شامت” قد يزيد الغضب والتعبئة. لا يجعل ذلك كل خطاب سلبي “فخ غضب”، لكنه يكشف كيف يُعاد ترتيب الانتباه والولاء حول الخصم.

وتنسجم هذه الرؤية مع دراسة نشرتها دورية “Nature Human Behaviour”، وجدت أن المستخدمين يبالغون في تقدير غضب أصحاب المنشورات، فيزداد اعتقادهم بوجود عداء بين الجماعات. وهكذا قد تجعلنا المنصة نرى الآخرين أكثر عداءً مما هم عليه، فينتج الفخ الواقع الذي يدّعي وصفه: يشتد كل طرف، فيقدم للآخر دليلًا على مخاوفه.

وحتى المؤثر قد يقع أسير الحلقة؛ فمن بنى جمهوره حول خصم دائمٍ يصعب عليه الاعتراف بتعقيد القضية أو خفض حرارة خطابه. فجمهوره لا يأتي ليعرف فقط، بل ليجدد غضبًا مشتركًا. وهكذا يتحول الغضب من وسيلة لبناء الجمهور إلى التزام أمامه.

وحين تتكرر هذه الحلقة على نطاقٍ واسع، لا يعود أثرها محصورًا في المستخدم والمؤثر؛ بل يمتد إلى المجال العام نفسه، فتعلو القضايا والأصوات الأقدر على إثارة الغضب، لا بالضرورة الأجدر بالفهم والنقاش.

استعادة المسافة
لسنا بحاجة إلى إطفاء الغضب كي ننجو من فخّه؛ بل إلى استعادة المسافة بين أن نشعر به وأن نسمح له بأن يحكم عنا. فبعض الهدوء لامبالاة، وبعض الغضب هو الصورة الأولى لضمير يرفض الظلم. المسألة أن نميز بين غضبٍ يكشف ما ينبغي تغييره، وغضبٍ يوظِّف ضميرنا كي يعطل بصيرتنا.

تبدأ الحصانة بما يمكن تسميته “الفرملة العاطفية"، وهي استعادة الزمن الذي يحاول المحتوى حذفه بين المشهد وتفسيره، وبين التفسير والحكم، وبين الحكم والنشر. وليست المهلة محسوبةً بالثواني، بل عادة تعيد إلى العقل حقه في التمهّل والسؤال.
وقد ميّز الفيلسوف الرواقي سينيكا بين الحركة الأولى التي تباغت النفس، وبين الغضب الذي يكتمل حين يوافق العقل على حكمها. قد لا نملك منع الانفعال الأول، لكن ذلك لا يعفينا من مراجعة روايته قبل أن نتصرف باسمها. فالحرية لا تبدأ من غياب التأثر، بل من ألّا نسلّم الانطباعُ الأول سلطةَ الحكم النهائي.

وهنا، وعلى اختلاف السياقين، يتقاطع سينيكا مع كانيمان؛ فالفرملة تمنع رواية "النظام الأول" من التحول فورًا إلى حكمٍ نهائي، وتمنح "النظام الثاني" فرصةً لفحص السياق والأدلة والبدائل. لكن التمهُّل قد يجعل التفكير المتأني محاميًا عن الحكم الأول، ما لم تُوجّهه أسئلة تكشف انحيازاته: ما الذي يريد المحتوى أن أشعر به، وما الذي لا يظهر داخل الإطار؟ هل يعرض واقعةً أم حالةً شاذة قُدّمت كقاعدة؟ ما الذي يمكن أن يغيّر حكمي؟ وهل تضيف مشاركتي معرفةً أم مزيدًا من الانتشار؟

ويأتي "التحصين النفسي" مُكمِّلًا لهذه الفرملة؛ فقد أظهرت تجارب أن التعريف المسبق باللغة المشحونة وكبش الفداء والثنائيات الزائفة يعزّز القدرة على كشفها. ويعمل بمنطق يشبه اللقاح: فكما يُعرَّض الجسد لنسخةٍ ضعيفة من الخطر، يُعرَّض العقل مُسبقًا بجرعاتٍ مخففة من أساليب التلاعب وطرائق تفكيكها؛ فتغدو أقل قدرة على مباغتته لاحقًا.
كما خلص تحليل لعشرين تجربة نشرته دورية “Nature Communications” إلى أن توجيه الانتباه إلى دقة الخبر قبل مشاركته حسّن نوعية ما نُشر، لا سيما بخفض تداول العناوين الزائفة. فالمشكلة ليست دائمًا في عجزنا عن التمييز، بل في أن البيئة الرقمية تستدعي أسئلةً أخرى: هل يثيرني؟ هل يؤكد موقفي؟ هل يعلن ولائي؟ والمقاومة تبدأ بإعادة العقل إلى السؤال الذي أُبعد عنه: هل هذا صحيح؟

ولا يصح تحميل المستخدم وحده مسؤولية مقاومة بيئة تكافئ الاستجابة العاجلة؛ ينبغي للمنصات أن تُدخل قدرًا من الاحتكاك قبل إعادة النشر، وألّا تعامل كل تفاعل بوصفه دليلًا متساويًا على القيمة. فالاعتراض ليس إعجابًا، والغضب ليس رضا.

لعل الخسارة الأعمق ليست لحظة الاستثارة، بل ما تستنزفه من طاقتنا الأخلاقية. فحين تتوزع نقمتنا على معارك صُمِّمت للتفاعل، قد نصل إلى القضايا الحقيقية منهكين وأقل قدرة على الفعل. وهنا تصبح استعادة المسافة استعادةً لنبل الانفعال: أن نحتفظ بغضبنا لما يستحقه، ونحوله من موقف معلن إلى معرفة، ومن معرفة إلى فعل يغيّر الواقع.

لقد جعلتنا المنصات أكثر قدرة على التعبير، لكنها لم تجعل كل تعبير أكثر حرية. وفي الهدي النبوي الشريف ما يوجز هذا المعنى: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”. ليست القوة أن نخنق غضبنا، بل أن يبقى تحت سلطان بصيرتنا، فلا يتولى الحكم عنا.

ثمة غضب يوقظ البصيرة، وغضب يُستدعى لتعطيلها. الأول يدفعنا إلى الفعل بعد أن نفهم، والثاني يدفعنا إلى الفعل كي لا نفهم. وليست حريتنا في ألّا نغضب، بل في ألّا يصبح غضبنا طُعمًا يُلقى لنا، ثم موردًا تستطيع المنصات استدعاءه وقياسه وبيعه.


عبدالله الضامن: كاتب سعودي.
 

أصبح انتباه المستخدم سلعة ثمينة تتنافس عليها الشركات. وصار "اقتصاد الانتباه" من أهم مظاهر التجربة الرقمية المستحدثة.