Hero image

إدارة المشاريع الإبداعية

ياسر مدخلي

أغسطس 19, 2026

شارك

يُعدُّ الاقتصاد الإبداعي من أسرع القطاعات نموًّا في العالم؛ إذ صار يُسهم بنسبة 3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وبحسب تقرير توقعات الاقتصاد الإبداعي لعام 2024م، الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، ارتفعت صادرات الخدمات الإبداعية بنسبة 29% بما يعادل 1.4 تريليون دولار في عام 2022م، في حين ازدادت صادرات السلع الإبداعية بنسبة 19% إلى 713 مليار دولار. وتُعدُّ هذه القطاعات الثقافية مساهمًا كبيرًا في الاقتصاد العالمي؛ إذ تمثّل نسبةً مهمة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وحجمًا مهولًا من التوظيف.

الحالة السعوديةفي السعودية، لم تعُد الثقافة مسألة هوية فقط، بل هي هدف اقتصادي مُتوافق عليه؛ إذ وضعت "رؤية 2030" هدف رفع مساهمة القطاع الثقافي إلى 3% من الناتج المحلي، بما يعادل نحو 180 مليار ريال (48 مليار دولار)، وهو ما يسعى إليه القطاع منذ تأسيسه.

وبدأت فعليًّا الاستفادة من القطاعات الفنية والثقافية والترفيهية لتحقيق أهداف الرؤية، وأصبح للتحوُّل أثرٌ بارز في جودة الحياة، ونالت قطاعات عديدة أخرى ثمار النشاط الإبداعي، وازدادت العروض والمواهب والفعاليات وأقبل عليها الجمهور من المواطنين والمقيمين والسيَّاح. وأُعيدت صياغة المادة الثقافية لتكون مواكبةً لمواسم ومشاريع ومبادرات حقّقت أثرًا وقدّمت تجربةً مدهشة، وذلك بفضل الدعم الحكومي لكثير من المشاريع، والتأسيس لمعيار الجودة وإعادة تشكيل السوق بفتح المجال للتنافس، ورد الاعتبار للمهنية بالشفافية العالية والحوكمة الرصينة. وعلى الرغم من أن النموذج التشغيلي متقدم وحقّق توزانًا بين الجودة والسرعة، فإن النموذج المالي والإداري يعوزه فرصةً أكبر ليصبح العمل الإبداعي قابلًا للتوسُّع والتسييل والتكرار والتصدير كأي منتجٍ اقتصادي في سوق نشطة وواعدة.

المقارنة مع النماذج العالمية
بالنظر إلى النماذج العالمية نجد أن المسارح في برودواي لا تحقّق حضورًا رمزيًّا وتأثيرًا معنويًّا فحسب، بل تجني عائدات مالية كبيرة، بلغت في عام 2025م 1.91 مليار دولار من التذاكر وحدَها، وتولّد حولها فرصًا اقتصادية متنوعة واستثمارات عديدة في مجالات خدمية مختلفة. فهوليوود ليست عدسة تصوير وبكرات أفلام، بل هي منظومة تمويل وملكية فكرية وتوزيع وترخيص، تتيح تحويل العمل الفني إلى أصلٍ يُعاد بيعه وتشغيله لسنوات. فالإدارة هي التي تحوِّل الإبداع إلى أصلٍ اقتصادي، وتحوّل الجمهور من مجرد متفرّجٍ إلى قوة شرائية.

تمتلك السعودية اليوم العناصر نفسها التي صنعت قفزات هذه النماذج: قدرة شرائية مرتفعة، وطلب جماهيري، وبنًى تحتية مكتملة (مسارح، ومناطق فعاليات، واستوديوهات، ودور سينما)، ونافذة سيادية تقلل الأخطار، وإرادة إستراتيجية تَعدُّ الثقافة موردًا اقتصاديًّا لا رفاهية تكميلية.

والصناعة لا تنتظر ولادة مواهب جديدة؛ فالكفاءات البشرية موجودة في الميدان: كتّاب، ومخرجون، ومنتجون، وممثلون، وفنيّون، أثبتوا قدراتهم ميدانيًّا في أعمالٍ مسرحية وتجارب ترفيهية وشاشات محلية وإقليمية. هؤلاء ليسوا خامات تنتظر التشكيل، بل هم رأس مال بشري جاهز للتحوّل إلى كيانات تشغيل. فبناء طاقات جديدة من الصفر مكلف زمنيًّا وماليًّا، أمَّا تحويل الطاقات القائمة إلى أصول إنتاجية، فهو المسار الأسرع والأسلم والأعلى احتمالًا للنجاح.

بهذه الصورة يصبح جوهر التحوُّل الثقافي في السعودية ليس في زيادة حجم الإنتاج الفني، بل في نقل الإبداع من مساحة المبادرة الفردية إلى مساحة الصناعة. وبذلك تكون الإدارة الثقافية هي نقطة الانعطاف والتحوُّل من مشروعٍ ينتهي مع العرض الأخير، إلى أصلٍ يُعاد تشغيله وتوسيعه وبيعه. فعندما تُدار العروض بوصفها ممتلكات قابلة للتدوير، يتحوّل المسرح إلى سلسلة من المواقع لا موقعٍ واحد، ويصبح النصُّ ملكيةً فكرية لا مناسبةً عابرة، ويتعدى المشروع أعمارَ أصحابه.

"رؤية 2030" لا تطلب زخمًا جماليًّا بقدر أثرٍ اقتصاديٍّ قابلٍ للقياس. وهذا الأثر لا ينتج عن تكرار الفعاليات، بل عن إدارة تجعل الفعالية قابلة لإعادة التشغيل وتكرار الربحية. ومع ثبوت وجود الطلب ووجود كفاءات بشرية أثبتت قدرتها، فإن مسؤولية المرحلة ليست في إعادة اختراع العجلة، وإنما في إدارة ما هو قائم فعلًا وإعادة تشكيله ليكون أصلًا إنتاجيًّا.

تتحوّل الثقافة إلى قوةٍ حين تُدار، وتظل عبئًا حين تُترك للعفوية. والإدارة هي التي تنقلها من خانة "الحدث" إلى خانة "الصناعة"، ومن خانة "الذوق" إلى خانة "القيمة". الثقافة بهذه العقلية لا تعود جزءًا من المشهد المحلي، بل جزءًا من معمار النفوذ العالمي؛ فالدول تتنافس اليوم بالرموز والخيال كما تتنافس بالمال والقدرة.

السؤال الآن: هل ننافس هوليوود في السينما أو نكون جزءًا مؤثرًا فيها؟ وهل تتمكن المسرحيات السعودية من أن تعلن عن حضور يوازي مسارح برودواي؟ 

الإجابة التي نتمناها تكمن في تطور المشاريع الفنية من نموذج "الاستهلاك" إلى نموذج الامتياز الفكري القابل للتصدير، وعندها يمكن القول إن السعودية جعلت من قطاع الثقافة صناعةً محلية منافسة عالميًا.

 

ياسر مدخلي: رئيس مجلس إدارة مسرح كيف.