
تتميز مدينة سمرقند بموقعها على طريق الحرير، ما جعل منها ملتقًى خصبًا لتبادل الأفكار والتجارب والخبرات بين الشعوب. لذلك، لم يكُن مستغربًا أن تنطلق منها صناعةٌ تركت أثرًا عميقًا في تاريخ المعرفة والحضارة الإنسانية؛ إذ لم يكُن للحضارة الإسلامية أن تزدهر وتبلغ ما بلغته من شأنٍ عظيم لولا توافر مادة كتابة رخيصة ومتاحة أسهمت في انتشار الكتب وازدهار العلوم وتطور نُظم الإدارة: الورق.
ترتبط بداية صناعة الورق في سمرقند، وفق الرواية الأشهر، بمعركة "نهر طلاس" التي وقعت عام 133هـ/751م بين الجيش العباسي، المتحالف مع قبائل القارلوق التركية، والجيش الصيني، وانتهت المعركة بهزيمة الصينيين ووقوع عدد منهم في الأسر. تجد هذه الرواية صداها في المصادر العربية القديمة؛ فقد عدّ أبو منصور الثعالبي، المتوفى سنة 429هـ، ورق سمرقند من أشهر خصائص المدينة، فقال في كتابه "لطائف المعارف": "من خصائص سمرقند الكواغد التي عطّلت قراطيس مصر والجلود التي كان الأوائل يكتبون فيها؛ لأنها أحسن وأنعم وأرفق، ولا تكون إلا بها وبالصين".
ثم نقل الثعالبي عن صاحب كتاب "المسالك والممالك" أن صناعة الورق انتقلت من الصين إلى سمرقند على أيدي بعض الأسرى الذين جلبهم القائد العباسي زياد بن صالح، فقال: "وقع من الصين إلى سمرقند، في سبيٍ سباهم زياد بن صالح، مَن اتخذ الكواغد بها، ثم كثرت الصنعة، واستمرت العادة، حتى صارت متجرًا لأهل سمرقند".
ومع ذلك، لا يجزم المؤرخون بأن صناعة الورق دخلت سمرقند للمرة الأولى بعد معركة طلاس؛ فثمة من يرى أن المدينة عرفتها قبل المعركة بقرون، بفضل الصلات الوثيقة بين التجار الصغديين والصين. وربما تعرّف أهل سمرقند إلى الورق وطرائق إنتاجه منذ القرن الرابع الميلادي، ثم طوروا صناعته باستخدام المواد المحلية المتاحة لديهم.
تحسينه وتعدد أنواعه
وإذا كان السمرقنديون قد أخذوا الفكرة الأولى من الصين، فإنهم لم يكتفوا بتقليدها، بل أدخلوا عليها تحسينات أكسبت ورقهم خصائص مميزة؛ فقد كان الورق الصيني يُصنع من ألياف نباتية، من بينها لحاء شجر التوت والخيزران، في حين استخدم صُنّاع سمرقند مواد محلية متنوعة، فأنتجوا ورقًا أملس السطح، متينًا، قليل التشرُّب للحبر، يتيح للقلم الانسياب ويحافظ على وضوح الخط.
وساعدت مياه نهر سياب على ازدهار هذه الصناعة، إذ أدارت الطواحين التي كانت تدق الألياف وتحوّلها إلى عجينة، وقد أشاد ظهير الدين محمد بابر التيموري (1483–1530م) بورق سمرقند، وعَدّه من أجود أنواع الورق في العالم.
ولم يكُن ورق سمرقند نوعًا واحدًا، بل عُرفت منه ثلاثة أنواع رئيسة؛ أولها الورق الحريري، الذي كان يُصنع من ألياف الحرير، ويتميز بقوَّته ونعومة سطحه ولونه المائل إلى السُّكَّري.
أما النوع الثاني فهو الورق نصف الحريري، وكان يُصنع من خليطٍ من ألياف الحرير والقُنَّب، ويتميز بسماكته ومتانته وجودة صقله، وقد عُرف باسم "نيم كتاني"؛ أي الورق نصف القنبيّ.
ويأتي بعده الورق القطني المصنوع من الألياف القطنية، وعلى الرغم من أنه كان يُعد أقل جودة من الورق نصف الحريري، فإنه احتفظ بخصائص جيدة جعلته واسع الانتشار.
ومما يمتاز به ورق سمرقند أن العمر الافتراضي للورق الصناعي العادي المُستخدَم في أيامنا قد لا يتجاوز أربعين أو خمسين عامًا؛ في حين يمكن لورق سمرقند أن يحتفظ بجودته قرونًا عدة، وقد يصل عمره إلى نحو أربعمئة سنة إذا حُفظ في ظروف مناسبة.
وهكذا تحوّل ورق سمرقند إلى أداة أساسية لحفظ المعرفة ونقلها؛ فمن خلاله تكاثرت الكتب، واتسعت حركة النسخ والتأليف، وأصبح العلم أقدر على عبور المسافات واللغات والأجيال. وتحولت ألياف التوت والقطن، تحت ضربات الطواحين على ضفاف نهر سياب، إلى صفحات حملت ذاكرة حضارة بأكملها.
سيد محمود مبشر: كاتب ومترجم مقيم في أوزباكستان.