
ما معنى أن يسيح الإنسان؟ تبدو صياغة هذا السؤال غريبةً نوعًا ما. فنحن معتادون على القول: فلان سائح، أو ذاهب في سياحة. لكن التعبير عن السياحة بوصفها فعلًا، كما هو الحال في سؤالنا "ما معنى أن يسيح الإنسان؟" تبدو غريبة ولو قليلًا. الماء يحتكر الفعل على ما يبدو؛ فالماء يسيح، وساح الماء بمعنى جرى وانسكب وتمدّد. ماذا يخبرنا الماء عن السياحة؟
كلمة السياحة بالمعنى الذي نتداوله اليوم تبدو حديثةً نوعًا ما، بمعنى أنها لم تكُن مستخدمةً في اللهجات الشعبية عند الأجيال السابقة. لا يقول كبار السن عادةً إنهم ذاهبون للسياحة، بل يقولون إنهم ذاهبون "للتمشية" أو "للبر" أو "للكشتة" أو "للقيلة" أو غيرها من المفردات، لكنهم لا يستخدمون مفردة السياحة. فالاستعمال المعاصر للسياحة يبدو أنه ينتمي إلى نمطٍ وجودي مختلف. فقد نسمع استخدامًا شعبيًّا يحيل إلى السياحة بمعنًى سلبي. يغضب الأب على ابنه فينعته بـ"السايح"، في تعبيرٍ عن إهماله أمرًا مهمًّا وانشغاله عنه بحركةٍ في الأرض تبدو للأب بلا هدف. ويُروى في السياق نفسه، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قوله: "أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْـهُدَى، وَأَعْلاَمُ السُّرَى، لَيْسُوا بِالْـمَسَايِيحِ، وَلا الْـمَذَايِيعِ الْبُذُر". ويبدو أن المقصود بالمساييح هم الذين يسيحون في الأرض بالنميمة؛ فلا يهتم النمّام بما يعرفه إلى درجة أن تسيح المعلومات منه بلا قيود.
حين يسألنا موظف سفارة ما عند التقديم لتأشيرة سفر عن هدف الزيارة، ونقول: "سياحة"، هكذا بلا هدف آخر. هذا الجواب يُقدّم معه نوعٌ من أشكال الطمأنينة لجهة الزيارة باعتبار أن هذا الشخص لا يسعى لأمرٍ أكثر ديمومة مثل العمل أو الإقامة، وهو ما يجعل من حالته سهلة الإجراء. شخصٌ سيوجد لفترةٍ محددة، ينفق بعض المال، ويعود إلى أهله. إنه سائح. ويُفترض بالسائح ألّا يكون مثيرًا للقلق؛ ففي بعض الأماكن المرتابة من الزوّار من خارج البلد تكون عبارة "أنا سائح" تعني لست جاسوسًا ولا غازيًا. بعبارة أخرى: أنا غير مهم. ويُفترض ألَّا أثير قلق أحد.
كلمة (tour) في الإنجليزية، التي يُشتق منها (tourist) و(tourism) تحمل معها ذكريات استخدامات سابقة في الإنجليزية الوسيطة والفرنسية القديمة واللاتينية؛ تُحيل إلى الحركة الدائرية التي تقطع مع منطقٍ معينٍ لتحقيق المهام والإنجاز، ويتمثّل عادةً في منطقٍ خطّي متوجّه. لذا، فهي تعني الحركة من دون وجهةٍ. وعبارة "أدور في مكاني" تعبيرٌ عن الضياع وعدم القدرة على الانطلاق نحو هدفٍ محدّدٍ. والسياحة، كما يبدو، شكلٌ من أشكال الحركة، وللحركة علاقة بالمكان والزمان؛ فأي علاقةٍ هي السياحة؟
يمكننا تسجيل بعض الملاحظات: السائح ليس عابر سبيل ولا غريب ولا ضيف بالمعنى الدقيق لهذه الأوصاف. السائح مسافر علّق سفره، ولو بُرهةً، ليستمتع بوجهته التي اختارها. وفي إعلانه عن السياحة، فهو يعلن عن عدم حاجته إلى المساعدة.
السياحة وجودٌ مرفّه يتجاوز منطق الضرورة إلى منطقٍ آخر. كما أن السائح متفرّغ؛ وهذا الفراغ جوهري، فالانشغال عادةً ما يكون أحد العوائق الأساسية أمام السياحة. يحصل الناس على إجازات للذهاب إلى السياحة. ويُقال "مُجاز" في وصف هذا الإنسان. والإجازة شكلٌ من أشكال السماح والإذن لينتقل الإنسان من عالم ضرورة العمل إلى فراغ الإجازة. إذًا السياحة ابنة هذا الفراغ.
يصعب على المنخرطين في عالم العمل، وقد استحوذ العمل على جلّ وقتهم، أن يذهبوا في رحلةٍ سياحة. لذا اخترعوا سياحة العمل، وهي حال وسط بين العمل والإجازة. والبعض الآخر يضطر إلى إحداث قطيعةٍ من أجل الحصول على إجازة؛ قطيعةٍ داخل عالمه الخاص حين يغلق هاتفه ويعلّق التواصل عبر الإيميل. لذا، قد يكون قرار السياحة قرارًا صعبًا، لصعوبة الانتقال من عالم العمل إلى عالم الإجازة. اللافت أن هذه الصعوبة يشترك فيها الغني والفقير لأسباب مختلفة ربّما.
عودةٌ إلى الماء. إذا كانت السياحة وجودًا مائيًّا، كما هي الإشارة التي استقيناها من ارتباط فعل السياحة بالماء، فمن أشهر عيون الماء في منطقة الرياض عين تسمّى "عين السيح"، فما معنى هذا؟ يُوصف عصرنا الحالي بعصر السيولة في كل شيء، كما هو التعبير المشهور للفيلسوف زجمونت باومان. لكن الماء أقدم من كل شيء. وهو يسيح حين يُترك في حاله، وحين يتخلص من قيود القوالب التي تشكّله. قد تنسينا المشاغل أحيانًا أن نسبةً كبيرة من جسم الإنسان تتشكّل من الماء. لذا، قد تكون السياحة عودةً إلى طبيعة قديمة في الإنسان، ألا وهي طبيعته المائية. لكن ينبغي ألَّا ننسى أن الماء لا يسيح إلا على الأرض، الأرض التي تهبه إمكانية التمدد الحُر هذه.
د. عبدالله المطيري: أستاذ فلسفة التربية.