Hero image

متحف الذهب الأسود

هاني الحجي

مايو 18, 2026

شارك
يشكّل "متحف الذهب الأسود" محطةً بارزة في المشهد الثقافي بالمملكة العربية السعودية؛ إذ تجاوز نمطيةَ المتاحف التقليدية، وكتب حكاية النفط من خلال رؤيةٍ إنسانيةٍ وثقافيةٍ وفنية، مشتملًا على 350 لوحة بصرية وثّقت الذاكرةَ النفطية عبر رؤى فنية متعددة لمجموعة من الفنانين والتشكيليين السعوديين والأجانب، الذين سجّلوا بضربات ريشاتهم وعدساتهم وإبداعاتهم الفنية المتنوعة، تفاصيلَ المشهد النفطي في المملكة العربية السعودية.

المصدر: وزارة الثقافة

افتَتح المتحفَ صاحبُ السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان آل سعود، وزير الطاقة ورئيس مجلس أمناء مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية "كابسارك"، وسمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، وزير الثقافة ورئيس مجلس إدارة هيئة المتاحف، و"هو ثمرة تعاونٍ بين منظومة الثقافة، مُمثلةً في هيئة المتاحف، ومنظومة الطاقة ممثلةً في (كابسارك)، ليقدِّم قراءةً متكاملة لتاريخ البترول وتأثيره الممتد إلى مختلف جوانب الحياة"، كما أوضح سمو وزير الطاقة. 

الأعمال المعروضة من لوحات وصور فوتوغرافية، وغير ذلك من الإبداعات، هي من إسهامات 170 فنانًا وفنانة من المملكة، في حين ينتمي الآخرون إلى ثلاثين دولة حول العالم. ومن أبرز الأسماء المشاركة: منال الضويان، وأحمد ماطر، ومهند شونو، ومحمد الفرج، وأيمن زيداني، ودوغ أيتكن، وجيمي دورهام، ودينيس وهوبر، وألفريدو جار، ورينو لايراك، وجورج صبرة، وباسكال مارثين تايو، وآندي واومان، إلى جانب آخرين.


المصدر: مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية

تكامل المتحف

اعتمد المتحف على مزيج من المشاهدة البصرية والفنية، وضمّ سرديات تاريخية، ولوحات تشكيلية، وأعمالًا فوتوغرافية، وعروضًا سينمائية قصيرة، ووثائق تاريخية؛ تُمكِّن الزائر، وإن كان من غير المختصين في صناعة النفط، من قراءة حكاية هذه الصناعة ببعدها الإنساني، والانتقال من مرحلة تكوُّن النفط واكتشافه واستخراجه، إلى أثره في رفاهية الحياة والحداثة، ثم ما بعد النفط وما خلّفه من قلق بيئي وتساؤلات صحية واقتصادية.

وقد أشار سمو وزير الثقافة إلى أن "متحف الذهب الأسود" يمثِّل محطةً مهمّة في القطاع الفني والحوار الثقافي العالمي، بوصفه أول متحف دائم مُخصّص للنفط والفن؛ إذ يوفّر مساحةً للتأمل والتفكير النقدي، والاحتفاء بالقوة التحويلية للثقافة في تشكيل فهمنا للعالم.
 
النفط حكايةٌ إنسانية آسرة

قبل جولتنا في المتحف سألْنا المرشدة المرافقة عن الوقت المتوقّع للجولة، فأجابت: ساعة أو أكثر تقريبًا. فتسلّل إلينا شعور بالثقل، ظنًّا منا أن الجولة ستكون شبيهة بجولات المتاحف التقليدية التي تعتمد على الشروحات المطوّلة وتكدّس الحقب الزمنية.
لكن ما إن بدأت الجولة حتى شعرنا بأننا ندخل إلى متحفٍ مختلفٍ في فكرته وتصميمه؛ إذ تكوّن لدينا انطباع بأننا أمام خشبة مسرح، أو نقرأ روايةً مصوّرة، أو نتابع فِلمًا سينمائيًا معروضًا بطريقة إبداعية، يقدِّم أول تجربةٍ متحفية من نوعها تحاول "أنسنة النفط"، وتفكيك صورته المادية إلى أبعاد فنية ومعنوية وجمالية، عبر استعراض التحولات العميقة التي أحدثها النفط في مسيرة البشرية من خلال عدسة الفن الحديث والمعاصر.
 

المصدر: وزارة الثقافة

وكان الانتقال بين الأجنحة يجري بانسيابية بصرية وصوتية تجعل الزائر يعيش تحولات النفط نفسيًّا لا معرفيًّا فقط، وكأن المتحف لا يقدِّم معلومات بقدر ما يصنع تجربةً شعورية متكاملة.
وتحضر في المتحف الرموز القيادية من خلال استعراض جانب من سيرة وحكمة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، في إدارة ملف الثروات الطبيعية، وكيف استُثمر النفط في بناء الدولة الحديثة.
ومما يشدّ الزائر أيضًا في هذا المتحف لمسة الوفاء المتمثّلة بالسيَر التوثيقية للجيولوجيين والمهندسين الأوائل ومذكراتهم، الذين دوّنوا تفاصيل الحياة في مناطق النفط الناشئة بأسلوبٍ يُحاكي أدب الرحلات، راصدين بذلك الصحراء، وتحوُّلات المكان، والتفاعل الذي ساد بين الثقافات آنذاك.

كما وثّق المتحف إنجازات الشخصيات الرائدة في العمل بصناعة النفط. وأبدع الفنانون في "أنسنة الذهب الأسود" عبر أعمال تربطه بأبعاد جمالية وروحية، مثل براميل نفط تحوَّلت إلى آلاتٍ موسيقية، وسجادة صلاة، ومِسبحةٍ مصنوعة من مشتقات النفط، ولوحاتٍ ومجسمات لسيارات وأشجار تستحضر أثر الانبعاثات الكربونية على البيئة.

المصدر: وزارة الثقافة

من الاكتشاف إلى الحلم.. ومن القلق إلى الرؤية

يتألف المتحف من أربعة أجنحة رئيسة حملت عناوين: "اللقاء"، و"الأحلام"، و"الشكوك"، و"الرؤى"، لتروي رحلة النفط مع الإنسان والتحولات التي مرَّ بها، وصولًا إلى مرحلة ما بعد النفط، حيث الأسئلة البيئية وأثر النفط في الإنسان والطبيعة.
طلبت إلينا المرشدة أن نستعد لفتح ستارة الفصل الأول والدخول إلى جناح "اللقاء". وهناك يقرأ الزائر الصفحة الأولى من حكاية اكتشاف النفط واستخداماته منذ القرن التاسع عشر، وما أحدثه من تحولات اجتماعية وصناعية غيّرت نمط حياة الإنسان، ضمن معالجة بصرية تستعيد البدايات الأولى لاكتشاف النفط.

المصدر: وزارة الثقافة

ثم انتقلنا، ونحن نحمل دهشة المشهد، إلى الفصل الثاني: "الأحلام"، وهي المرحلة التي بدأت فيها الأحلام النفطية تتشكّل في وجدان الإنسان؛ من أحلام المدن الحديثة ووسائل النقل المتطورة، مثل السيارات التي طوت المسافات بين المدن، والخطوط الحديدية التي عمّقت التواصل الاجتماعي، وصولًا إلى الطائرات التي فتحت للإنسان نافذةً واسعةً على العالم.

يخرج الزائر من هذا الجناح غارقًا في التفكير بحجم التحوُّل الذي أحدثه النفط في المجتمع، وتقوده أسئلته نحو الفصل الثالث: "الشكوك".
 
هنا تبدأ حبكة الرواية الحقيقية؛ فبعد أن عاش الإنسان رفاهية الحداثة النفطية، واتّسعت أحلامه مع التصنيع والتطور، اصطدم بقلق جديد يتعلق بالطبيعة والبيئة. ومع كل بئرٍ نفطية تتدفّق بالإنتاج، كانت تتولّد أسئلة أكثر إلحاحًا: إلى أين تتجه الطبيعة وسط هذا الكم من الملوِّثات؟ وكيف سينعكس ذلك على الإنسان صحيًّا واجتماعيًّا؟

المصدر: وزارة الثقافة

جسّد المتحف هذه الهواجس في جناح "الشكوك" عبر لوحاتٍ ومجسّمات بصرية مقلقة، بدت أحيانًا وكأنها مشاهد من فِلم عن نهاية العالم البيئي، وهو ما منح الجناح تأثيرًا نفسيًّا عميقًا في الزائر.
نخرج مُثقلِين بقلقٍ حيال المستقبل، نبحث عن إجابات أو ما يطمئننا، إلى أن نصل إلى الجناح الرابع: "الرؤى"، وهو الجناح الذي يقدِّم إجابات عن تلك الأسئلة من خلال استعراض المبادرات والمعاهدات التي وقّعتها المملكة العربية السعودية للحدّ من التلوث والانبعاثات الكربونية، ومنها اتفاقية باريس للمناخ.
يستعرض هذا الجناح مشروعات التشجير ضمن "رؤية السعودية 2030"، في محاولة لصناعة توازنٍ بين كون المملكة دولةً منتجة للنفط، وسعيها إلى توسيع الغطاء النباتي والحد من آثار التلوث البيئي، في مشهدٍ بدا للبعض أشبه بفانتازيا من "أدب النفط"، لكنه يتحقّق اليوم على أرض الواقع بفعل الإرادة والطموح.

ويختتم الجناح رحلته ببرامج متجدّدة للحوار بين الإنسان والطبيعة، داخل مبنًى أيقوني يحتضن أيضًا تفاصيل مدهشة مرتبطة بالنفط ومنتجاته، من الرسوم المتحرّكة والألعاب، إلى تصورات خيالية لمستقبل المتحف.
Hero image
المصدر: وزارة الثقافة
Hero image
المصدر: وزارة الثقافة
Hero image
المصدر: وزارة الثقافة
Hero image
المصدر: وزارة الثقافة
Hero image
المصدر: وزارة الثقافة
Hero image
المصدر: وزارة الثقافة
Hero image
المصدر: مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية
Hero image
المصدر: مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية
Hero image
المصدر: KAPSARK.
Hero image
المصدر: مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية
Hero image
المصدر: KAPSARK.
Hero image
المصدر: وزارة الثقافة
Hero image
المصدر: وزارة الثقافة
Hero image
المصدر: وزارة الثقافة
Hero image
المصدر: وزارة الثقافة
Hero image
المصدر: وزارة الثقافة
Hero image
المصدر: وزارة الثقافة
Hero image
المصدر: وزارة الثقافة
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
Hero image
في نهاية الجولة، نخرج من المتحف الذي تبلغ مساحته 440 مترًا مربعًا، ضمن مبنى "كابسارك" الأيقوني في الرياض، هذه التحفة الهندسية التي صمّمتها المعمارية العالمية الراحلة زها حديد. ومساحة المتحف صغيرة قياسًا إلى مساحة المبنى، لكن أُحسن توظيفها لتحويل المكان إلى متحفٍ فنيٍّ ضخم، جعلنا نستذكر ونحن نغادره قول الشاعر عبدالعزيز العجلان:
أنا هنا.. قبل بئر النفط كنت هنا
قبل البدايات قبل الريح والحقبِ

إذا سجى الليل أيقظت الكرى شجنًا
وهومت بالقوافي هزة الطربِ

وللمعاميل حول النار موعدها
يا عابق الهيل حدّث واهج الحطبِ

يا عابرين فجاج الحزن من رهقٍ
ألقوا الرحال فهذا موسم الخصبِ
 
هاني الحجي: كاتب وقاص سعودي.
 

مرايا الزمان ومستودع الهوية