
في عام 1344م، وتحديدًا في "رجب 745هـ"، وضع الحِرَفي "الحسن بن قطلو بك" توقيعه على صندوق خشبي منحوتٍ بدقة، صُمم بالخصوص ليضمّ مخطوطةً قرآنية من ثلاثين مجلّدًا. لم يكُن هذا الصانع الذي عاش في بلاد ما وراء النهر يدرك أن هذا الصندوق سيقطع قرونًا من الزمن ليقف اليوم شاهدًا على عبقرية النظام البصري الإسلامي في قلبِ الظهران. هذه القطعة، التي تزاوج بين الوظيفة الدينية والمهارة الفنية، ليست سوى خيطٍ واحد من نسيج عريض ينسجه متحف "إثراء" بمركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي؛ حيث تلتقي القطعة الأثرية بالبحث العلمي، لتروي قصة حضارة ممتدة تبدأ من أعماق الأرض وتصل إلى ملامح المستقبل.

من اليمين: مبخرة فارسية يعود تاريخها إلى القرن الحادي عشر الميلادي، محراب مُستوحى تصميمه من أعمال البلاط المزخرفة التي تعود إلى القرن السادس عشر في مجمع الشاه زنده في سمرقند، صندوق خشبي منحوت من بلاد ما وراء النهر عام 1344م.
يمثل متحف "إثراء" منصةً معرفية متكاملة، تربط بين التاريخ الطبيعي للجزيرة العربية وبين النتاج الثقافي والفني للإنسان. يضم المتحف تحت سقفه عدة قاعات ومعارض نوعية، تتسلسل في موضوعاتها لتمنح الزائر رؤية شاملة تبدأ من الفنون والحرف، وتمر عبر تفاصيل المعيشة، وصولًا إلى التكوينات الجيولوجية ومنابع الطاقة، لتنتهي بطروحات معاصرة حول الفضاءات الاجتماعية.

مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي "إثراء".
في مديح الفنان الحِرَفي
تبدأ الرحلة من قاعة "في مديح الفنان الحرفي"، التي تسلط الضوء على تلاقي المهارة اليدوية بالقيمة التاريخية. يتصدر المشهد محراب سمرقند، وهو عمل تم تنفيذه في عام 2024م بإشراف الحرفيَّين عبدالرحمن تويروف، ورؤوف رحمونوفيتش تاخيروف، بالتعاون مع الخطاط إسلام ماماتوف. صُمّم المحراب بأسلوب يحاكي تقاليد العصر التيموري في القرن السادس عشر، وقد استوحي من أعمال البلاط في مجمع "شاه زنده" التاريخي بسمرقند. استُخدمت في صناعته قطع فسيفساء من بلاطٍ مُقطّع، مع طلاءٍ زجاجي مصقول يمنح القطعة لمعانًا تحت درجات حرارة محدّدة، مما يجمع بين المهارة التقليدية والتقنيات الحديثة في التشكيل، ليكون وثيقة بصرية تعكس استمرارية الحِرَف الإسلامية العريقة وتطور تقنياتها.وفي القسم نفسه، تبرز مبخرة نحاسية فارسية من القرن الحادي عشر الميلادي، صُممت على شكلِ طائرٍ بزخارف مخرومة تسمح بتدفّق الدخان المُعطَّر. حيث استطاع الفنان تطويع المعادن لخدمة أغراضٍ جمالية ونفعيةٍ في آنٍ واحد.

رحلة عبر ثقافة الخليج تتألف من أشرطة فيديو وكاسيت، تم جمعها على مدى أكثر من عقد لتوثيق سجلّات تمتد من التجمعات العائلية وصولًا إلى الفعاليات الوطنية.
صدى المألوف
ينتقل المتحف من جلال القطع الفنية إلى دفء التفاصيل اليومية عبر معرض صدى المألوف.هنا، يتحول التركيز نحو الأنثروبولوجيا الاجتماعية للبيت السعودي، حيث يوثّق المعرض التحولات المعمارية التي شهدتها المملكة عبر العقود، من بيوت الطين وصولًا إلى البناء المسلح.
قسم المبنى: يستعرض الواجهات وعناصر التهوية وتأثّرها بالمناخ المحلي، مُبرزًا الجدلية بين المواد التقليدية والأسطح الحديثة التي حلّت محلها، مع رصد عناصر مُضافة، مثل أطباق استقبال البث الفضائي التي ميّزت واجهات المنازل في حقبة زمنية معينة.

اللوحات من اليمين: النغصة، شاي الضحى، سوالف الراديو. للفنان حسن جاسم الجاسم.
قسم أهل البيت: يعيد تجسيد الطقوس اليومية من خلال ترتيب "المفارش" واللُّحَف الملوّنة، والمراوح الجدارية، موثّقًا الذاكرة الجماعية للأُسر السعودية في مراحل زمنية مختلفة قبل أن تتبدّل وتيرة الحياة بفعل التقنية.
رحلات في الجزيرة العربية
وبعيدًا عن العمران، يغوص قسم "رحلات" في قراءة علمية شاملة لتكوين الجزيرة العربية، ويضم المعرض قسمين، يبيّن كل واحدٍ منهما جانبًا بيئيًّا مختلفًا للمملكة العربية السعودية.
التنوع البيئي: يستعرض المعرض بيئات المملكة المتباينة؛ من المرتفعات الجبلية في عسير، التي يصل ارتفاعها إلى 3,000 متر، وتتميّز بغاباتها الكثيفة ومناخها المطير، إلى سهول تهامة الحارة والرطبة.
الحياة البرية: يوثّق المعرض تكيّف كائنات مثل المها العربي، وغزال الريم، والقط الرملي، مع ظروف الصحاري بمختلف أنواعها (الرملية، والملحية، والكلسية، والبركانية). كما يسلط الضوء على البيئة البحرية في البحر الأحمر والخليج العربي، مبرزًا أهمية أشجار "المانجروف" والشعاب المرجانية، وداعيًا للاستدامة وحماية هذه الثروات.
الإرث الثقافي: يبرز المعرض الدور الثقافي لشركة أرامكو من خلال عرض أعدادٍ تاريخية لمجلة "القافلة" التي انطلقت عام 1953م، لتوثق مسيرة التنمية والإنسان في المملكة عبر سبعة عقود، وما زالت المجلة مستمرة في أداء رسالتها المعرفية حتى اليوم.

عرض صور متفرقة لتاريخ أرامكو منذ نشأتها وحتى اليوم في معرض أرامكوراما.
أرامكوراما
يربط معرض "أرامكوراما" بين هذه المعطيات الجيولوجية والنهضة التنموية الكبرى للمملكة. يبدأ السرد من الخرائط التاريخية لبطليموس والإدريسي التي تتبعت طرق القوافل، وصولًا إلى لحظة التحول الكبرى بتوقيع اتفاقية الامتياز في 29 مايو 1933م.قصة الزيت: يوثق المعرض سجلّات مسحٍ ميداني تبيّن جهود الجيولوجيَّين الأوائل؛ شويلر "كروغ" هنري وج. دبليو. "سوك" هوفر اللَّذين وصلا إلى المملكة العربية السعودية خريف عام 1933م، حيث دوّنا في تلك السجلّات تفاصيل عمليات التنقيب في المناطق المحلية التي لم تكُن لها خرائط مرسومة آنذاك. أثمرت مسوحاتهما في إنتاج الخريطة المحيطية الهيكلية عام 1934م وكانت نقطة تحول في مسيرة اكتشاف البترول السعودي.
تفسّحوا
يختتم المتحف مساره بمعرض تفسّحوا المُقرّر افتتاحه في 18 مايو 2026م. يتناول المعرض مفهوم "المجلس" بوصفه فضاءً اجتماعيًّا وثقافيًّا محوريًّا، مقدمًا قراءة معاصرة لهذا المكان. يركز الطرح على أنماط التفاعل، وتوزيع الحضور، وكيفية بناء جسور التواصل بين الأفراد، ليظهر المجلس عنصرًا مستمرًّا يتكيّف مع تغيّر الزمن مع الحفاظ على جذوره التقليدية بوصفه أداةً لنقل التراث وتأصيل الانتماء.نشمي القحطاني: صحفي سعودي.
