Hero image

إيطاليا التي تكتبنا

هناء جابر

يناير 14, 2026

شارك
هناك بلاد لا نحتاج أن نزورها كي نتورّط في سحرها، وإيطاليا إحداها، بلد الفنّ والتاريخ والحضارة، فكأن الجمال هو اللغة الرسميّة لتلك الأرض.

إنْ أدهشتني مناظر كاناليتو الفينيسية في لوحاته، بدقّتها التي تشبه نَفَس المعماري، فإن كارافاجيو أخذ دهشتي إلى مستوًى آخر في لوحته "النرجس"؛ هناك حيث يبدو الضوء وكأنه يفكّ شفرة النظرة الأولى إلى الذات.

وقد اقتربتُ من إيطاليا أكثر عبر موسيقى لودوفيكو إناودي؛ وتلك المقطوعات التي تترك في الروح رجفةً لا تفسير لها. إلّا أن الأدب هو الذي فتح لي الباب الأوسع هناك، في الروايات الإيطالية، فقد شعرتُ أن إيطاليا لا تكتفي بأن تُروى، بل تكتبنا بدورها.

إيلينا فيرانتي، هذا الكيان الشبحي الذي أثار العالم بهويته المجهولة، لا يهمّ من يكون؛ فالتخفّي هنا جزء من صدقها الذي أدركه في كتاباتها. أسرتني "رباعية نابولي" منذ الصفحات الأولى؛ ذلك العالم الذي بنَتْهُ فيرانتي بلا تجميل ولا مراوغة. كتبت عن نابولي ككائن حيّ، مدينة قادرة على تشكيل مصائر مَن يسكنها. وكتبت عن تعقيدات الصداقة كأنّها ميدان حربٍ داخلي، علاقة تشبه الحُمى بقدر ما تشبه العزاء، يتجاور فيها الحبّ مع الغيرة، والإعجاب مع الخوف، والنجاة مع الخذلان. وكتبت عن الحُبّ كما يُعاش في الظلّ لا كما يُحكى في الضوء. في روايتها "أيام الهجر" مثلًا، وصفت انكسار الزوجة بطريقة لا يمكن للقارئ أن يظلّ محايدًا أمامها، وكتبت عن الأمومة تحديدًا بجرأةٍ نادرة. كان أثر الشعور بالذنب الناتج عن اضطرابات علاقتَي البنوّة والأمومة واضحًا في هذه الرباعيّة، كما كان مكثّفًا في أعمال أخرى لها كرواية "الابنة الغامضة".

لا تخشى إيلينا الإفصاح عن المشاعر المظلمة التي نحاول عادةً دفنها عندما نصبح أمّهات: الغضب الذي نحمله في صمت، والسَّأم من الأدوار الاجتماعية المفروضة، وذلك الشعور الخفيّ بأننا نعيش حياةً ليست لنا بالكامل. وبهذا هي لا تقدّم بطلاتٍ ملهماتٍ بالمعنى المريح، بل نساءً يُواجهْن أنفسهن قبل أن يواجهن العالم.

بهذا كله تبدو أعمال فيرانتي نوعًا من الأدب الذي لا يكتفي بأن نقرؤه، بل يقرؤنا، ويضيء زوايا لم نكُن نريد الالتفات إليها. قد يكون الضوء مزعجًا في بدايته، لكنّه رحيمٌ في أثره.

ومع نيكولو أمانيتي يذكّرنا الأدب الإيطالي بأن الخوف جزءٌ أصيل من حكاية الإنسان. قدّمت روايته "أنا لا أخاف" صورة مؤلمة للعالم حين يُرى بعيني طفل، حيث لا يكون الخوف مجرّد إحساس، بل بوابة مبكّرة لاكتشاف حقيقة البشر. إن فقدان البراءة لا يعني انتهاء الطفولة، بل بداية الوعي بأن الضمير أثقل مما يبدو، وأن الشجاعة ليست غياب الخوف، بل القدرة على مواجهة ما لم يعُد بريئًا في العالم. ففقدان البراءة هو لحظة ولادة جديدة، مؤلمة وهادئة في آن، يخرج منها الإنسان حاملًا بصيرة لا يمكن التراجع عنها.

ومن الخوف، بوصفه اختبارًا مبكرًا للوعي، يأخذنا إنريكو دي لوكا في روايته "اليوم ما قبل السعادة" إلى مساحة أخرى من التحوّل في حياة طفل، حيث يتشكّل النور ببطء داخل العتمة، ويلمس للمرة الأولى المعنى الذي تمنحه الحريّة والمحبّة، فيتبدّل فهمه لمدينة نابولي وللناس من حوله. ورغم الفقر، والوحدة، والخيبات الصغيرة، تنمو داخله رغبة في الحياة. لم يكتفِ دي لوكا بملاحقة آلام الإنسان، بل تتبّع تلك اللحظة الدقيقة التي تنمو فيها إمكانيّة الفرح رغم كل شيء.

ويذهب جوزيه كاتوتسيلا إلى الجانب الآخر من التجربة الإنسانية؛ إلى الحلم حين يولد تحت وطأة الخوف نفسه. في روايته "لا تقولي إنك خائفة" ننتقل من شوارع نابولي إلى القرن الإفريقي، لنرى "سامية"، تلك الطفلة التي تحلم بأن تصبح عدّاءة أولمبية بينما الحرب والفقر والاضطرابات السياسية تسحق كل ما حولها. تتمسّك بقدرتها على الجري كما لو أنها طريقةٌ للنجاة من قسوة العالم. وهنا يتجلّى الأدب مسرحًا للمقاومة.

في النهاية، تتحوّل القصة إلى شهادة على هشاشة الحلم الإنساني وعلى قوته في آن واحد؛ حكاية فتاة آمنت بأن الحياة تستحق أن تُركض حتى آخر خطوة، حتى ولو لم تصل.

ومع أومبرتو إيكو، يتّخذ الأدب الإيطالي بُعده الفكري العميق؛ ففي "اسم الوردة" يبرز صراع الإنسان مع الجهل والخوف والسلطة، بينما يكشف في "الشعلة الخفيّة للملكة لوانا" عن معاناة فقدان الهوية والذاكرة، وفي "مقبرة براغ" يبيّن كيف يمكن لكلمة مُحرّفة أو وثيقة مُزوّرة أن تخلق كراهية تتجاوز الفرد إلى التاريخ كله. رواية تذكّر بأن المعاناة أحيانًا تبدأ من نَصّ، قبل أن تتحوّل إلى واقع.

وهكذا، من صراعات الصداقة والأمومة لدى فيرانتي، إلى مخاوف الطفولة عند أمانيتي، ومن الضوء الذي ينبثق من العتمة في كتابة دي لوكا، إلى هشاشة الحلم كما يراها كاتوتسيلا، وصولًا إلى أسئلة الهوية والمعرفة عند إيكو، تتحوّل إيطاليا إلى طريقة في التأمّل في الإنسان أكثر من كونها موقعًا على الخريطة. تظهر كرمز لذلك المكان الغامض في أعماقنا، تكتب الحكايات لتعيد ترتيب خرائط أرواحنا. وتبقى، بكل فنونها ورواياتها، فضاءً يذكّر بأن الإنسان يكتب العالم، لكن العالم، أحيانًا، يكتب الإنسان أيضًا.