Hero image

هدايا صغيرة أكبر من نظرية موس

يناير – فبراير | 2026

يناير 12, 2026

شارك

في ملف العدد السابق من القافلة "الهدية" كان من اللافت استحضار  نظرية موس وكتابه "مقالة في الهبة"، وهي أطروحة العالم الفرنسي مارسيل موس التي يحلّل فيها ظاهرة الهبات في الثقافة البشرية. فالمقال، انطلاقًا من هذه النظرية، يؤسّس لفكرة أن الهديةَ شكلٌ ملزم من أشكال التبادل النفعي المُتوقَّع بين أطرافها.

عندما يحاول كاتبٌ تحليل ظاهرة إنسانية، فغالبًا ما يستند إلى الأدبيات الأكاديمية لتوفِّر له إطارًا نظريًّا يعطي رأيَه مشروعيّة وقبولًا. ولكن مشكلة الركون إلى نظرية اجتماعية تهدف إلى تفسير ظاهرة بشرية "كونية" أنها، وإن ذاع صيتها كما تفعل نظرية موس مع ظاهرة الإهداء، قد تدفع إمَّا إلى التغاضي عن أشكالٍ من الإهداء لا تدخل ضمن النطاق التفسيري لنظرية موس، وإمَّا إلى التكلّف والتعسّف في تفسير تلك المظاهر المختلفة كي توائم أطروحته.

وقبل الحديث عن نظرية الهبة، علينا ألّا نغفل عن أمورٍ منها: أن موس، على أهمية أطروحته، وما أثاره من نقاش وجدال في الأوساط الأكاديمية، هو في نهاية المطاف ابن حقبته؛ أي تلك الحقبة التي شهدت البدايات المبكرة لعِلم الاجتماع المعاصر. ومن المهم أن يدرك القارئ أن عِلم الاجتماع قد نشأ وروّادُه متأثرون بالفتوحات العلمية الكبرى والباهرة التي شهدتها الفيزياء الكلاسيكية آنذاك؛ من اكتشاف قوانين الجاذبية، والتوصّل إلى تفسير علميٍّ ورياضي لحركة الكواكب والمذنّبات وما شابهها. فكان المنهج العلمي الذي حلّق بالفيزياء عاليًا، بدا حينها قادرًا على تفسير جميع المظاهر الكونية بأسلوب كميّ ورياضي. فكان طموح علماء الاجتماع، آنذاك، هو نقل هذا المنهج إلى دراسة الظواهر البشرية والاجتماعية؛ للتوصّل إلى قوانين صارمة ومُطلقة قابلة للتعميم، وقادرة على تفسير المظاهر البشرية كافة. ولهذا، سُمّي علم الاجتماع في أول أيامه بـ"الفيزياء الاجتماعية". وهذا يُفضي بالضرورة إلى نتيجةٍ مفادها: وُحْدة الدوافع التي تحرّك البشر، شأنهم في ذلك شأن المواد في المختبر التي تستجيب بطريقةٍ واحدة إذا ما تعرّضت للعوامل نفسها.

الهدف النهائي للأطروحة

الأمر الآخر أن الهدف النهائي لأطروحة موس "مقالة في الهبة"، ليس تفسير ظاهرة التهادي وحسب، بقدر ما كان يهدف منها إلى تقديم سردية بديلة عن السردية الشائعة عن نشوء الأسواق، القائلة إن عملية البيع والشراء النقدي هي التطوّر الطبيعي والتلقائي من عملية البيع بالمقايضة. لذا، استند موس في سرديته تلك إلى ممارسات المجتمعات "البدائية"، على اعتبار أنها الصورة الأصلية والنقية للمجتمعات البشرية "المتحضّرة". فاستنتج، بناءً على رصدٍ محدود، أن المجتمعات البشرية كانت في أصلها تعتمد التكافل عبر الهبة والإهداء (وليس المقايضة)، ثم يكون هناك التزامٌ أخلاقيٌ و"دينيٌّ" على المُهدى إليه بردّ العطاء بالمثل.
ولكن لمارسيل موس أيضًا تصوّره عن ماهيّة "الإنسان المُهدي"، فهو يجرّده من أي دافعٍ ذاتي نبيل للهبة؛ فيقول في مقدمة أطروحته متحدّثًا عن ظاهرة الإهداء: "على الرغم من أن واقعها الفعلي لم يتضمن سوى الوهم والالتزام بالشكل والكثير من الرياء الاجتماعي، فإننا لم نجد في أعماقها سوى الإلزام والمصلحة الاقتصادية".

ولكن السؤال: هل نظرية مارسيل موس استطاعت فعلًا التوصّل إلى الدافع الحقيقي وراء ظاهرة الإهداء (العطاء مقابل انتظار الرد بالمثل)؟

هدايا لم يتطرق إليها

إحدى مشكلات نظرية "العطاء الشامل وإلزامية الرد" أنها تُقصي ألوانًا متنوّعة من الإهداء في المجتمعات البشرية؛ ومنها إقصاؤها للهدايا الرامية إلى تأكيد الفروق الطبقية بين المانح والممنوح، مثل هدايا أصحاب الطبقات العليا إلى غيرهم؛ إذ لا يتوقع أحد أن المانح يضمر توقعًا بأن الممنوح سيرد عليه هديته بمثلها، كما أنه ليس على الممنوح أي التزام أخلاقي أو اجتماعي يفرض عليه هذا الرَّد. أما في ثقافتنا العربية والإسلامية، فتتنوع أشكال الهدايا والهبات، ومنها ما قد يتحدّى فكرة التبادل الملزم، مثل ذلك النوع من الإهداء الذي يمكن أن نسمّيه بـ"الإهداء الروحي"، والمقصود منه: الأعمال الدينية والتعبدية التي يمارسها الإنسان، مثل دفع الصدقة، بغرض أن يهدي ثوابها إلى أعزائه من المُتوفِّين. فهي هدية تُمنح للمتوفّى بدافع الحب الخالص من دون انتظار مقابل منه. فبغض النظر عن الجانب الإيماني في ذلك، فهو يعطينا تصوّرًا آخر عن الدافع وراء العطاء، بعيدًا كل البُعد عن منطق المنفعة الاقتصادية و"الرياء الاجتماعي".

صحيح أن أطروحة موس تفسّر جانبًا مهمًّا من ظاهرة الهبات والتهادي، وتُعدُّ فتحًا ثقافيًّا وإنسانيًّا كبيرًا، ولكنها إن أُخذت على علّاتها، فستمنعنا من استيعاب الأبعاد المتعددة والمتباينة الكامنة في عملية الإهداء، مما يُنتِج عندنا فهمًا مشوّهًا ليس عن الإهداء وحسب، بل عن أنفسنا أيضًا وحقيقة الدوافع التي تحرّكنا، خصوصًا أن فكرة الكرم والعطاء وتنوّع أشكالهما في ثقافتنا العربية، كما أشارت المقالة، تستأهل بحثًا خاصًّا يستوعب خصوصية الثقافة العربية.
وأهم من ذلك، أن هذا النقاش يستدعينا لإعادة السؤال مرة أخرى: هل يمكن حقًّا إنتاج نظرية تفسّر الظواهر الإنسانية كما تفسّر الرياضيات الظواهر الفيزيائية؟

 

أسامة بوجبارة: كاتب ومُحرّر سعودي.

 

 

 

للهدايا تاريخ طويل عبر القرون والحضارات، فكيف تطوَّرت إلى أن وصلت إلى ما هي عليه اليوم: صناعة عملاقة ذات ألف وجه ووجه؟