
في الرواية الديستوبية "1984" الصادرة عام 1949م، تخيَّل الكاتب الإنجليزي جورج أورويل آلات كتابة قادرة على إنتاج الأدب بكميات هائلة، مستخدمةً "كاليدوسكوبات" ميكانيكية مُبرمَجة لتكون بديلًا عن العملية الفنية الفردية. واليوم، يتحقّق هذا الخيال من خلال نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي تنتج رواياتٍ كاملةً وشعرًا وسيناريوهات بطلاقة مذهلة. وعلى سبيل المثال، في عام 2023م، فازت رواية مُولّدة بالذكاء الاصطناعي بمسابقة الرواية الوطنية اليابانية. كما شارك الذكاء الاصطناعي في إنتاج قصائد ناجحة مثل سلسلة قصائد "أم غولي" (2021م)، وروايات أطفال مثل "بوب الروبوت" وغيرها من الأعمال الأدبية الناجحة.
من هنا يبرز السؤال: ما القيمة الفعلية لعملٍ أدبي ينتجه الذكاء الاصطناعي؟ وهل ستقرأ مثل هذا العمل؟ وسواء جاء جوابك بنعم أم بلا، فلماذا؟
من هنا يبرز السؤال: ما القيمة الفعلية لعملٍ أدبي ينتجه الذكاء الاصطناعي؟ وهل ستقرأ مثل هذا العمل؟ وسواء جاء جوابك بنعم أم بلا، فلماذا؟

إعادة تدوير الأدب
بشير البغداديطالما كان الأدبُ المساحةَ التي يمارس فيها البشر حقهم في الضعف والارتباك. وإذ نحن اليوم نشهد ولادة النص من رحم الخوارزميات، نواجه مفارقةً غريبة: هل يمكن للآلة التي لم تختَر الكلمة، بل استنتجتها إحصائيًّا، أن تلمس أعماقنا؟
لقد قلق أورويل في روايته "1984"، من الآلات التي تسحق الفردية، وها نحن اليوم أمام "كاليدوسكوب" رقمي، يعيد تدوير الإبداع البشري بمهارة مذهلة. ولكن هل يمكن لآلة لم تختبر القلق الوجودي أن تضاهي عمق كافكا أو دوستويفسكي؟ إن قيمة العمل الأدبي، لا تكمن في ترتيب الكلمات وفقًا لاحتمالات إحصائية، بل في شهادته على "تجربة معيشة"؛ فالآلة التي تحاكي الألم لا تتألم، والتي تصف الموت لا تدرك فناءها. فما هو الجمال عندما يُجرّد من وعي مرارة الوجود؟ إننا نقرأ لنتذكّر أننا لسنا وحدنا في هذا العبث الكوني، وإذا لم يكُن هناك مالك للنص يعاني ويشُك، فهل يصبح الأدب جدارًا باردًا من الكلمات المثالية؟
سأطلق على هذه النماذج "تمارين في المحاكاة". قد يعمل الذكاء الاصطناعي بوصفه مرآةً تعكس شتات المعرفة، لكنه ليس ذاتًا قادرة على التحرّر. ربّما تكون القيمة المستقبلية في أدب هجين، حيث يعمل الذكاء الاصطناعي بمنزلة القلم، والإنسانية هي القبطان الذي يقود الدفة الأخلاقية والجمالية. في النهاية، قد تقدم لنا الخوارزمية إجابات بليغة، لكن الأدب العظيم هو ما يُولّد أسئلة؛ أدب أولئك الذين لديهم الحق في الخطأ، لا من يملكون الدقة الإحصائية. فهل تستطيع آلة أن تعيد صياغة الدهشة، وهي التي لا تعرف معنى الدهشة؟

منظور خيالي مجرّد
زينب القطري
يعوّل القارئ على الأدب في فهم مشاعره، وكشف الزوايا المشرقة والمظلمة من التجارب، وتحفيز تعاطفه؛ لأن الكاتب دائمًا ما يزاوج بين الخيال والواقع.
حين يكتب الذكاء الاصطناعي، فإنه يكتب من منظور خيالي مجرد؛ لأنه لا يملك فكرة الجذور، ولا الهوية، ولا التجارب المعيشة؛ لا يتألم، ولا يحب، وإن تعاطف فهو تعاطف لحظي مُبرمَجٌ عليه، وأيضًا لا يملك تعقيد النفس البشرية، ولا يتردد، وليس له يقين أو يأس يستند إليه، ولا ينطلق من دوافع حقيقية للكتابة.
قد يكتب الذكاء الاصطناعي أدبًا باهرًا؛ لأنه مصقول لغويًّا، والحدث يبدأ حيث يجب، وتتقاطع الأحداث وتنمو، ثم تنتهي حيث ينبغي.
تتجلى القيمة الفعلية للذكاء الاصطناعي في محاكاة العوالم التي يخلقها وموازاتها للأدب الإنساني، وهي تشبه القيمة نفسها للوحات فان جوخ، التي استوحاها فنان وأعاد رسمها؛ فالأولى ضمنت لصاحبها الخلود، والثانية مجرد تقليد حتى وإن فازت بجائزة.
لو خُيّرتُ بين رواية إنسانية ورواية كتبها الذكاء الاصطناعي، لاخترت الأولى؛ لأنها تبدو أقرب لروح الأدب؛ لأنني أحرص على قراءة بعض الكتب بعينها لأفهم الكاتب أكثر ولأقترب من عوالمه، ولأكوِّن صورةً متكاملة عنه. وقد أختار الثانية أيضًا، لأطلع على عملٍ تام، أو لأفهمه، أو لأقارن، طبعًا سيكون هذا إذا انتهيت من قراءة كل الكتب التي أريد قراءتها من الأدب الإنساني.

الأدب في جوهره إنساني
علي التتان
الأدب، شعرًا كان أم نثرًا، وبمختلف أشكاله وأساليبه، يظلّ وسيلة الإنسان للتعبير عن أفكاره ومشاعره، وحفظ تجاربه وتاريخه في صيغة إبداعية. ومن هنا تنبع قيمته، بوصفه ترجمةً للتجربة الإنسانية ورغباتها وأسئلتها. لكن هل يمكن للأدب الذي يُنتَج عبر الذكاء الاصطناعي أن يمتلك قيمةً أدبية فعلية؟
لا أرى ما يمنع ذلك، غير أن هذه القيمة، إن وُجدت، تعود إلى الإنسان الذي وظّف التقنية لصياغة تجربته الخاصة. فالذكاء الاصطناعي، في واقعه التقني الحالي، لا يملك وعيًا ذاتيًّا، ولا تجربةً شعورية حقيقية يكتب انطلاقًا منها.
لقد قرأتُ، كما أنتجتُ، نصوصًا أدبية وُلّدت بواسطة نماذج الذكاء الاصطناعي، ولا أخفي أن بعضها قد يفوق، من حيث الجودة الفنية، كثيرًا من الأعمال البشرية المتكدسة في المكتبات ومعارض الكتب، مع أن الجهد المبذول في إنتاجها يُعدُّ منخفضًا نسبيًّا. وعلى المستوى العملي، جرّبتُ ذات مرةٍ أن أطلب من أحد النماذج كتابة قصة قصيرة انطلاقًا من فكرة عرضتها في سطر واحد، فأنشأ خلال ثوانٍ نصًّا متماسك البناء. لم تكُن اللغة أو سير الأحداث في نسخته الأولى على درجة عالية من الجودة، لكن التعديلات اللاحقة حسّنتها بصورة ملحوظة. ثم طلبتُ منه إعادة صياغة النهاية بسوداوية تحاكي أجواء مسلسل "مرآة سوداء" (Black Mirror)، فجاءت النتيجة مدهشة في قدرتها على محاكاة أسلوب المسلسل. واستمرّت التعديلات حتى وصل النص إلى صورةٍ مُرضيةٍ لاقت استحسان عدد ممن قرؤوه. غير أن بعضهم أبدى انزعاجه فور علمه بأنها نتاج ذكاء اصطناعي، على الرغم من إعجابه بها قبل ذلك، ولربّما يشير ذلك إلى أننا نهتم بمنشأ العمل أحيانًا أكثر من العمل نفسه.
في النهاية، يبقى الأدب إنسانيًّا في جوهره، حتى وإن كُتبت كلماته بأداةٍ غير بشرية.

تميّز النص هو القيمة
هدى المبارك
التوجّه إلى القراءة يكون حول التجربة أكثر من الاسم. هل هذا النص يستحق القراءة؟ وهل يحتوي على العمق وحضور الروح بغض النظر عن إنتاجه؟ أكان إنسانيًا أم اصطناعيًا؟ لأننا قد نصادف إنتاجات أدبية لا تتوافق مع الذائقة الشخصية.
القيمة الفعلية لأي عمل أدبي ينتجه الذكاء الاصطناعي تكمن في تميّز الطرح. فإذا لم يكُن النص مميزًا، فالإبداع فيه يكون معدومًا. وأيضًا، من وضع الأوامر والطلبات لتخليق النص هو الإنسان، فهل استطاع الإنسان في هذه التجربة أن يضع لمسته الخاصة والدفء الإنساني فيها، أم أنها خرجت مجرد استجابة لأوامر فحسب؟
كل آلةٍ حديثةٍ لا تعطي الجودة للمنتج إلا بمستخدمٍ مُميَّز وجيد لها؛ إذ يجب عليه أن يكون ضالعًا بكيفية العمل بها واستخداماتها، فالأوامر الأنسب المُدخلة للذكاء الاصطناعي تعطي قيمة أعلى للعمل، سواء على الصعيد الإبداعي أو التقني.
لا يمكننا تجاهل الجانب الإيجابي لوجود الذكاء الاصطناعي بوصفه مساعدًا أدبيًّا للكاتب، سواء للتدقيق اللغوي أو النحوي، أو حتى للعصف الذهني وتسريع عملية البحث. لكن الوعي بالاستخدام واستخراج هفوات النظام أمر لا يمكن تجاهله، فحتى في أبسط الأمور التي تُطلب من النظام يجب على المستخدم المراجعة قبل المشاركة لتفادي الأخطاء التقنية.
ولو افترضنا أن الذكاء الاصطناعي بُرمج لكتابة محتوى إبداعي توليدي بجدول معين، فهل ستكون هذه البرمجة بحد ذاتها إبداعًا، أم أن المحتوى هو الإبداع؟ فمن استخرج مَن؟
.webp?cx=0.5&cy=0.5)