
في العدد (716) من القافلة، كتب الأديب والمسرحي الدكتور سامي عبداللطيف الجمعان مقالةً مطوّلة، أشبه بدراسة مختصرة، عن الهُوَّة أو الفجوة التي يتّسع مداها يومًا بعد يوم بين المُنْتَج المسرحي والناس أو المجتمع وأفراده. وقد عَنون تلك الدراسة الرائعة بـ"بين المسرح العربي وجمهوره"، وهو عنوان "باردٌ" قد يُخاتل القارئ الذي سيشعر بحرارة النقد وضراوة التناول التي استهلَّ بها هذا المسرحي المخضرم نصّه منذ جملته القصيرة الأولى "هناك هوة". وليت الكاتب سكّها عنوانًا صادمًا هكذا: "الهوّة الكبرى بين المُنْتَج المسرحي والمجتمع بمختلف أفراده وتعبيراته"؛ لأن العنوان الذي تبدأ به المعركة ويكون رأسَ حربتها، أشبه بالمشهد الافتتاحي في مسرحية مزدحمة بالشخصيات والمشاهد والإسقاطات والتحولات، وقبل كل ذلك بالأفكار التي يُريد صنّاعها تمريرها خلسةً بين كل تلك الحوارات والديكورات والصراعات.
للمسرح عشاقه وناسه المحدودون
والكتابة بوصفها صدًى لفكر الدكتور الجمعان ومزاجه، بحاجة ماسة إلى حذرٍ شديد وجرأة مسؤولة. كيف لا، وهو المُمثِّل والكاتب والمخرج والناقد والباحث المسرحي، فضلًا عن مواهبه واهتماماته المتعددة والمتنوّعة الأخرى. ومع كل ذلك، سنكتب بحريّةٍ تامةٍ وراحة كبيرة، متناسين كل تلك المداميك العظيمة التي صاغت شخصيته الرائعة وشكّلتها، ونعتمد فقط على نبل فارس المسرح هذا الذي عرفناه عن قرب منذ سنوات طويلة.
كتب الدكتور الجمعان: "لم يعُد المسرح حاضرًا أو مؤثرًا في الجماهير، على نحو ما كان عليه"، وهنا أسجل اعتراضي الأول على هذه الحقيقة التي بنى عليها، وهي تنامي وتيرة غياب الجماهير عن خشبة المسرح، التي حدّدها بفترة التسعينيات الميلادية وما بعدها. أملك قناعة لم تستطِع الجدالات المحتدمة أو القناعات المتباينة أن تؤثر فيها، فضلًا عن أن تُلغيها، وهي أن أغلب الفنون والآداب نخبوية بامتياز إلا في الحدود الضيّقة أو الظروف الطارئة. فالمسرح، على الرغم مما يسوّق له أصحابه وأنصاره بأنه "أبو الفنون" الذي تعشقه كل الفئات والمستويات، له عشّاقه الذين يُمثّلون تلك النخبة التي جعلت من المسرح "عادةً مزاجية" أو ستارة كبرى تُشاهد نفسها والآخرين من خلالها. ولم يكُن للمسرح يومًا ما علاقةٌ ثنائية راسخة مع المجتمع بمختلف أفراده وتعبيراته، بل له عشّاقه وناسه المحدودون الذين يؤمنون بقيمة المسرح وخطورته وتأثيره بوصفه منتجًا إبداعيًا يُسلّط الضوء على همومهم وشجونهم. وطبعًا، لا يمكن قياس المسرح الفكاهي التجاري أو العروض الترفيهية التي تتزامن مع المناسبات والاحتفالات عليه، فهي غالبًا أبعد ما تكون عن جوهر المسرح وتداعياته العميقة.
أمَّا بخصوص الحديث عن التحوّل في ذائقة الناس، وأن "ذائقة الأجيال السابقة تختلف جذريًّا عن ذائقة الأجيال الجديدة التي شَغلها شاغلٌ عن المسرح وطقوسه التقليدية، فباتوا رهنًا للمنصات التلفزيونية الرقمية، بكل ما توفره من محتويات ترفيهية "بحسب الطلب" عبر الإنترنت؛ فأنا أتفق تمامًا مع الدكتور الجمعان، وأضيف أن المسرح يختلف كثيرًا عن الفنون الأخرى، ولا سيَّما في كيفية الاستفادة من الثورة الرقمية الهائلة وإمكاناتها بمختلف منصاتها وشبكاتها وتطبيقاتها. والأخطر أن تقنياتها التي تحتاج إلى قدراتٍ وإمكانات كبرى وجهات مسرحية متخصّصة، تعرف جيدًا كيف توظف كل تلك التقنيات والابتكارات الذكية على خشبة مسرحٍ يُعاني حزمةً كبيرة من المشكلات والتحديات الأساسية، فأَنَّى لَهُ دمج التكنولوجيا المتطورة، مثل الليزر، والهولوغرام، وشاشات العرض الرقمية التي تصنع مسرحًا باهرًا ومدهشًا يسرُّ الناظرين؟
أسباب ابتعاد الجمهور النخبوي عنه
كي نقترب أكثر من المشهد المسرحي وملامحه وتفاصيله المتشظّية بكل تلك الإشكاليات والتحديات التي تتسلّل بحركة أدائيّة ميلودرامية على كل الخشبات الصغيرة والكبيرة، والعربية والعالمية، لا بدُّ من تحريك المشاهد على نحوٍ محسوب يضمن ضبط الإيقاع وحرية الحركة أو النقد. ولدينا قائمة طويلة جدًا من عناصر المسرح التي لا تعمل بطاقتها المرجوة، هذا إذا أردنا عدم استخدام مفردة أكثر حِدّةً، وهو ما تسبَّب في هذا الابتعاد الاختياري من قبل الجمهور النخبوي العاشق للمسرح، فضلًا عن الجماهير التي ليست لها علاقة أصلًا بهذا النوع من الفنون.
ثمّة إشكالياتٌ وتحديات كثيرة وكبيرة، تسبَّبت في هذا الغياب الواضح، أبرزها: غياب الكتابات المسرحية الهادفة التي تُشبه المجتمع بدلًا من التعريب أو "التخليج"، المُخِلّ في أغلبه، لنصوصٍ ومسرحيات أجنبية، والتأخر في وجود معاهد وجامعات لدراسة الفن المسرحي والتدريب عليه، والغياب غير المبرر للإعلام بمختلف منصاته وشبكاته عن العروض المسرحية إلا نادرًا، وتبني فرضية خاطئة مفادها أن الأعياد والمناسبات هي ذروة الموسم، وغياب مجلّات ودوريات متخصصة للمسرح كما كان في السابق، والقناعة بأن المهرجانات والجوائز المسرحية هي البيئة الوحيدة للنهوض بالمسرح، وندرة الروّاد والمتخصصين في المسرح وسط أنصاف مسرحيين ومنتفعين، وغير ذلك كثير من الصعوبات والتحديات.
ارتياد المسرح في مجتمعنا، لم يتحوّل إلى ثقافة، ولا يبدو أنه سيكون كذلك، إلا إذا صُنعت رؤية جديدة وطموحة وواضحة وشفافة. والبداية يجب أن تكون من المدرسة.
فاضل العماني: كاتب سعودي.
