.jpg?cx=0.5&cy=0.5)
يمكن لمن يزور روما أن يزور الكولوسيوم والمتاحف والمعالم البارزة، وأن يعيش نمط الحياة في المدينة، حتى شرب الإسبريسو وقوفًا كما يفعل الطليان، ولكن من دون أن تحضره في أثناء التنقل بين أزقتها وساحتها صورةُ أي فنان أو كاتب إيطالي، ممن حضروا في مقال الكاتبة هناء جابر المميز في العدد السابق "إيطاليا التي تكتبنا".
علاقتنا بالمدن مثل علاقتنا بالبشر، منهم من يرافقك صغيرًا ويتركك، ومنهم من يصاحبك حتى سن المراهقة وتتركه، وهناك أناس ملازمتهم قدر، وهكذا هي القاهرة.
لازمتنا القاهرة منذ الصغر عبر الصورة؛ ولهذا نذكر عبدالمنعم مدبولي وبناته، اللاتي كنَّ يُشكّلن قطارًا ويدرن في الغرف، ويغنين "توت توت". وعبر الراديو استمعنا إلى محمد رفعت والطبلاوي صباحًا، وإلى أغاني أم كلثوم وفايزة أحمد ونجاة مساءً.
وفي فترة المراهقة، سحبنا إلى عالم القراءة كتاب "سطور مع العظماء" للكاتب المصري محمد كامل المحامي. وتنقلّنا لاحقًا بين الآداب العالمية حتى استقررنا على ما كتبه أساتذتنا في مصر. مكثنا هناك طويلًا، وقرأنا لمحفوظ، والسحار، وتوفيق الحكيم، والعقاد، وطه حسين، وبحثنا طويلًا عن رواية "ملك من شعاع" لعادل كامل، وكذلك "إبراهيم الكاتب" للمازني.
من عالم النخبة الأدبية
عشنا أيام الفراعنة من خلال "كفاح طيبة" و"رادوبيس" و"عبث الأقدار" لنجيب محفوظ. وكذلك عشنا في القاهرة القديمة بسبب "الزيني بركات" لجمال الغيطاني. وبعد ذلك أثّث محفوظ ذاكرتنا الأدبية باقتدار، مع الثلاثية و"خان الخليلي"، و"ثرثرة فوق النيل". أعقبه بعد ذلك يوسف إدريس، ومحمد المخزنجي، وإبراهيم أصلان، والبساطي، وخيري شلبي، ويحيى الطاهر عبدالله. لقد شكّل هؤلاء الذاكرة في وقت مبكر جدًّا، حتى إذا نزلنا مصر وشاهدناها، وزرنا تلك الأماكن، انبعثت الذاكرة التي صاحبتنا وشكّلتنا؛ لنكتشف أننا صنيعة مكان آخر، وكتابات أخرى تماهت مع المكان، وأسهمت في بناء الذائقة وطريقة التفكير، ووسمت لهجتنا بحكم القرب والامتداد والجذور. ولهذا، فإن مجرد الجلوس في مكان، مثل الغورية والزمالك ووسط البلد، ومقاهي كمقهى "ريش"، لن يكون أبدًا مثل الجلوس في أي مكان آخر في أوروبا أو شرق آسيا؛ فأنت ببساطة تجلس في مكان قرأت عنه، ومكثت فيه، وكتبت عنه، واحتفظت في ذاكرتك بتفاصيله الصغيرة.
إضافةً إلى ذلك، تتحفّز ذاكرتنا مع الطعام الثري الذي تطول قائمته، وعلاقتنا بالأصوات؛ إذ يصاحبك نهارًا عبدالحليم، والشيخ إمام، ومنير، والست الحاضرة مساءً وحدها. وعلى الشاشات تعيد ذكرياتك مع النجوم الذين خلقت معهم ذاكرة سينمائية ثرية: أحمد زكي، ومحمود عبدالعزيز، وصلاح السعدني، والفخراني، وليلى مراد، وسعاد حسني، وأمينة رزق، ونجلاء فتحي، وعبلة كامل، مرورًا بمخرجين كبار من أمثال عاطف الطيب، وبدر خان، وخيري بشارة، وداود عبدالسيد. ليس هذا فحسب، بل إن الحواس الخمس تثار في القاهرة، وغيرها من الحواس التي لم تصنّف؛ يكفي ذلك الشعور الداخلي في أثناء تنقلك وسط البلد، وأنت تقف في ميدان التحرير، وطلعت حرب، وأنت وحدَك في الزمالك تسير ليلًا على غير هدى، أو على ضفة النيل؛ ذلك النهر الذي يسعى نحو المتوسط ويغذي المكان بحضوره الهائل وينشر الحياة.
حيوية الأجواء الشعبية
هناك شيء آخر في القاهرة؛ الحضور الشعبي، حيث الناس، والشرفات، والمقاهي المنتشرة، وبيع الكشري، والفول، والطعمية. المكان الشعبي الذي تشمُّ في أزقته رائحة الطعام، وأصوات الجارات، وشغب الأطفال. "الشعبي" الذي لا يلمع كثيرًا، ولا يتجمَّل أمام السيّاح من أجل نقل صور غير حقيقية، بل يجعلك تشعر أنك في المكان الذي يشبهك، فلا يجعلك تدفع مالًا كثيرًا، ولا ترهق نفسك بالتأنق فيه. تسمع فيه ضحكات الأطفال، والكلام الذي يسرُّ الخاطر، ويجعلك على سجيتك. لا يتفاخر الناس فيه بالسيارات، ولا بالمنازل الواسعة، بل يعيشون في الستر، ويقاومون الحياة بالابتسامة والنكتة الذكية، والعزاء الذي يُقتسم كالخبز اليومي. العزاء الذي تجده بين كرسيين متجاورين في مقهى، في شرفتين متقابلتين لجارتين، تجده في صينية طعام تعبر بين الأزقة لصديقة، في صوت المآذن عندما تشق سماء القاهرة لتجمع الناس في المساجد. العزاء في صوت الود والرضا، واللمة الحلوة على صحن الفول، والكشري و"لقمة هنية تكفي مية". العزاء في الحركة التي تستمر من انبلاج الفجر حتى يُخيّم الليل على المدينة الكبيرة.
هذه هي المدينة التي تكتبنا ونكتبها، وتتركنا على صلة دائمة معها؛ صلة ممتدة منذ وقت مبكر، منذ الطفولة حتى الكهولة. وسيبقى للقاهرة هذا الأثر والصدى الذي يعني لنا الكثير نحن الكتَّاب. وأظن أن كل كاتب عربي لديه هذا الإحساس تجاه المكان الأقرب إلى ذاكرته وذائقته، وحسّه الأدبي، وحُبّه الذي يكبر فيه تجاه المدينة التي تكتبه ويكتبها.
طاهر الزهراني: روائي سعودي.
علاقتنا بالمدن مثل علاقتنا بالبشر، منهم من يرافقك صغيرًا ويتركك، ومنهم من يصاحبك حتى سن المراهقة وتتركه، وهناك أناس ملازمتهم قدر، وهكذا هي القاهرة.
لازمتنا القاهرة منذ الصغر عبر الصورة؛ ولهذا نذكر عبدالمنعم مدبولي وبناته، اللاتي كنَّ يُشكّلن قطارًا ويدرن في الغرف، ويغنين "توت توت". وعبر الراديو استمعنا إلى محمد رفعت والطبلاوي صباحًا، وإلى أغاني أم كلثوم وفايزة أحمد ونجاة مساءً.
وفي فترة المراهقة، سحبنا إلى عالم القراءة كتاب "سطور مع العظماء" للكاتب المصري محمد كامل المحامي. وتنقلّنا لاحقًا بين الآداب العالمية حتى استقررنا على ما كتبه أساتذتنا في مصر. مكثنا هناك طويلًا، وقرأنا لمحفوظ، والسحار، وتوفيق الحكيم، والعقاد، وطه حسين، وبحثنا طويلًا عن رواية "ملك من شعاع" لعادل كامل، وكذلك "إبراهيم الكاتب" للمازني.
من عالم النخبة الأدبية
عشنا أيام الفراعنة من خلال "كفاح طيبة" و"رادوبيس" و"عبث الأقدار" لنجيب محفوظ. وكذلك عشنا في القاهرة القديمة بسبب "الزيني بركات" لجمال الغيطاني. وبعد ذلك أثّث محفوظ ذاكرتنا الأدبية باقتدار، مع الثلاثية و"خان الخليلي"، و"ثرثرة فوق النيل". أعقبه بعد ذلك يوسف إدريس، ومحمد المخزنجي، وإبراهيم أصلان، والبساطي، وخيري شلبي، ويحيى الطاهر عبدالله. لقد شكّل هؤلاء الذاكرة في وقت مبكر جدًّا، حتى إذا نزلنا مصر وشاهدناها، وزرنا تلك الأماكن، انبعثت الذاكرة التي صاحبتنا وشكّلتنا؛ لنكتشف أننا صنيعة مكان آخر، وكتابات أخرى تماهت مع المكان، وأسهمت في بناء الذائقة وطريقة التفكير، ووسمت لهجتنا بحكم القرب والامتداد والجذور. ولهذا، فإن مجرد الجلوس في مكان، مثل الغورية والزمالك ووسط البلد، ومقاهي كمقهى "ريش"، لن يكون أبدًا مثل الجلوس في أي مكان آخر في أوروبا أو شرق آسيا؛ فأنت ببساطة تجلس في مكان قرأت عنه، ومكثت فيه، وكتبت عنه، واحتفظت في ذاكرتك بتفاصيله الصغيرة.
إضافةً إلى ذلك، تتحفّز ذاكرتنا مع الطعام الثري الذي تطول قائمته، وعلاقتنا بالأصوات؛ إذ يصاحبك نهارًا عبدالحليم، والشيخ إمام، ومنير، والست الحاضرة مساءً وحدها. وعلى الشاشات تعيد ذكرياتك مع النجوم الذين خلقت معهم ذاكرة سينمائية ثرية: أحمد زكي، ومحمود عبدالعزيز، وصلاح السعدني، والفخراني، وليلى مراد، وسعاد حسني، وأمينة رزق، ونجلاء فتحي، وعبلة كامل، مرورًا بمخرجين كبار من أمثال عاطف الطيب، وبدر خان، وخيري بشارة، وداود عبدالسيد. ليس هذا فحسب، بل إن الحواس الخمس تثار في القاهرة، وغيرها من الحواس التي لم تصنّف؛ يكفي ذلك الشعور الداخلي في أثناء تنقلك وسط البلد، وأنت تقف في ميدان التحرير، وطلعت حرب، وأنت وحدَك في الزمالك تسير ليلًا على غير هدى، أو على ضفة النيل؛ ذلك النهر الذي يسعى نحو المتوسط ويغذي المكان بحضوره الهائل وينشر الحياة.
حيوية الأجواء الشعبية
هناك شيء آخر في القاهرة؛ الحضور الشعبي، حيث الناس، والشرفات، والمقاهي المنتشرة، وبيع الكشري، والفول، والطعمية. المكان الشعبي الذي تشمُّ في أزقته رائحة الطعام، وأصوات الجارات، وشغب الأطفال. "الشعبي" الذي لا يلمع كثيرًا، ولا يتجمَّل أمام السيّاح من أجل نقل صور غير حقيقية، بل يجعلك تشعر أنك في المكان الذي يشبهك، فلا يجعلك تدفع مالًا كثيرًا، ولا ترهق نفسك بالتأنق فيه. تسمع فيه ضحكات الأطفال، والكلام الذي يسرُّ الخاطر، ويجعلك على سجيتك. لا يتفاخر الناس فيه بالسيارات، ولا بالمنازل الواسعة، بل يعيشون في الستر، ويقاومون الحياة بالابتسامة والنكتة الذكية، والعزاء الذي يُقتسم كالخبز اليومي. العزاء الذي تجده بين كرسيين متجاورين في مقهى، في شرفتين متقابلتين لجارتين، تجده في صينية طعام تعبر بين الأزقة لصديقة، في صوت المآذن عندما تشق سماء القاهرة لتجمع الناس في المساجد. العزاء في صوت الود والرضا، واللمة الحلوة على صحن الفول، والكشري و"لقمة هنية تكفي مية". العزاء في الحركة التي تستمر من انبلاج الفجر حتى يُخيّم الليل على المدينة الكبيرة.
هذه هي المدينة التي تكتبنا ونكتبها، وتتركنا على صلة دائمة معها؛ صلة ممتدة منذ وقت مبكر، منذ الطفولة حتى الكهولة. وسيبقى للقاهرة هذا الأثر والصدى الذي يعني لنا الكثير نحن الكتَّاب. وأظن أن كل كاتب عربي لديه هذا الإحساس تجاه المكان الأقرب إلى ذاكرته وذائقته، وحسّه الأدبي، وحُبّه الذي يكبر فيه تجاه المدينة التي تكتبه ويكتبها.
طاهر الزهراني: روائي سعودي.
