Hero image

فنّ العمارة.. التقليد والتجديد

مايو – يونيو | 2026

مايو 17, 2026

شارك
في خضم التنوع المعماري الذي يزيّن مدننا، نجد أن معظم المدن اليوم تضم مزيجًا من العمارة ذات الطابع التقليدي التي تستخدم مواد غالبًا ما تكون محلية الصنع، وتدخل فيها المهارات اليدوية التي تعكس تاريخ المدينة نفسها، والعمارة الحديثة التي تجمع بين التصاميم العصرية والتقنيات المتطورة والمواد المصنّعة والتكنولوجيا الحديثة. توجّهنا في هذا العدد إلى بعض المتخصصين والمهتمّين بالفن العمراني، وطرحنا عليهم عددًا من الأسئلة:
هل تفضل المباني ذات الطابع التاريخي أم تلك المعاصرة؟ لماذا تشدك فئة منها دون الأخرى؟ كيف يؤثر أي من هذين النوعين من العمارة في تجربتك للمدينة وإحساسك بالمكان؟ 

المدينة كائن حي صامت


د. فهد مطر
رئيس قسم عمارة البيئة - كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك عبدالعزيز

المدينة في حقيقتها كائنٌ حي صامت، يولد وينمو ويزدهر، وقد يمرض أو يذوي تبعًا لظروفٍ معقدة تحيط به؛ فنشأتها الأولى ارتبطت بعوامل سياسية، واقتصادية، وبيئية، أو دينية، وكان بقاؤها مرهونًا بتوافر مقومات الحياة الفطرية من ماء وغذاء وأمن. ومع تعقّد إيقاع الحياة المعاصرة، لم يَعد البقاء كافيًا، بل بات ازدهار المدن اليوم مشروطًا بشبكات أوسع من الخدمات المتطورة، والبنى التحتية الذكية، ومؤسسات التعليم والنقل والترفيه، التي تشكِّل بمجموعها الشرايين الأساسية للمدينة الحديثة.
وفي ذروة نضجها، تفيض المدينة بأنماطٍ معمارية ليست مجرد هياكل إنشائية، بل هي تعبيرٌ حي عن تفاعل الإنسان مع بيئته، وانعكاسٌ لقيمه الثقافية وقدراته التقنية. هذه الأنماط لا تلبث أن تتبدل مع تطور تقنيات البناء وتحوُّل احتياجات السكان؛ لتتشكّل عبر الزمن طبقات متراكمة تُكوّن "ذاكرة المدينة العمرانية". ويمكننا قراءة هذه الذاكرة بوضوح في المدن التي تركت الزمن ينحت آثاره على واجهاتها وفراغاتها، بينما استطاعت مدنٌ أخرى صون هويتها عبر أنظمة تشريعية دقيقة تضمن استمرارية النسق المعماري وانسجامه رغم التغيرات الطفيفة.
ويبقى الجدل بين القديم والجديد حاضرًا في أروقة العمران، كما هو في سائر الفنون الإنسانية، بين تيار يدعو إلى تقديس الماضي والحفاظ عليه، وآخر ينادي بالتحرر التام والتجديد المطلق. غير أن الرؤية الأكثر اتزانًا ونضجًا هي التي لا تقف عند حدود الشكل، بل تفهم التراث من جذوره العميقة، ثم تعيد صياغته بلغة معاصرة تلبي متطلبات الحاضر وتحفظ روح المكان، مقدمةً بذلك نموذجًا مستدامًا يصل عراقة الماضي بتطلعات المستقبل.
 

هوية عمرانية متجددة


م. عبدالكريم السعيدي
مهندس معماري

العمارة في جوهرها ليست مجرد اختيار حاد بين "قديم" أو "حديث"، وليست صراعًا بين التمسك بالماضي والانبهار بالمستقبل، بل هي المرآة الصادقة التي تجسّد الهوية المكانية في أبهى صورها. لذا، تجدني أميل بشغف نحو المباني التي تتبنى نهج "الأصالة والمعاصرة"؛ وهي الفلسفة العميقة التي أرسى دعائمها ميثاق الملك سلمان العمراني. فأنا لا أفضّل استنساخ الماضي بصورة حرفية جامدة، بل أُومِن باستلهام قيمه الجوهرية الخالدة، مثل "الأنسنة" التي تضع الإنسان في قلب التصميم، و"الارتباط بالأرض" الذي يحترم الطبيعة، ثم إعادة صياغتها بلغة تقنية ومواد حديثة تواكب عصرنا.
إن ما يشدّني في هذه الفئة المعمارية هو رفضها القاطع لـ"التعليب العمراني" العابر للقارات، الذي جعل المدن نسخًا مكررة بلا روح. هي تخلق مباني تنتمي إلى بيئتنا وتاريخنا، وتتحدث لغتنا، وفي الوقت نفسه تلبي طموحاتنا المستقبلية الواعدة.
أمَّا عن أثرها في تجربتي للمدينة، فإن الهوية البصرية المنظمة التي نلمسها اليوم في التنظيمات العمرانية الجديدة، تُحوّل المدينة من مجرد "كتل خرسانية" صماء وباردة إلى "فراغات حيّة" نابضة تمنحني شعورًا عميقًا بالانتماء، وتبعث في النفس طمأنينة وارتياحًا. فعندما تحترم العمارة خصوصية المكان، يتوقف المرء عن كونه مجرد عابر سبيل، ليصبح جزءًا أصيلًا من قصة المكان وذاكرته الممتدة. إن هذا التنظيم هو ما يعيد لمدننا "هيبتها" وجمالها، ويمنحنا، مواطنين ومعماريين، فخرًا واعتزازًا بجذورنا التي تتطور دون أن تنقطع.
 

شواهد على الزمن


أحمد الزنيدي
مصمم داخلي ومهتم بالعمارة

أميلُ بشدة إلى المباني ذات الطابع التاريخي؛ لا لأنها تتفوق في معايير الجمال البصري بالضرورة، بل لأنها تمتلك قدرة فائقة على الحكي واستعادة تفاصيل الغياب. فالحجر العتيق، والخشب الدافئ، والزخارف اليدوية الدقيقة ليست مجرد عناصر إنشائية أو تجميلية، بل هي شواهد حيّة على أزمنةٍ ممتدة عاشها الناس وتركوا في ثناياها أثرهم وأرواحهم. هذا النوع من العمارة يمنحني إحساسًا بطمأنينة الاستمرارية، ويجعل المدينة في عيني كائنًا حيًّا نابضًا، له ذاكرة عميقة وهوية متجذرة، لا مجرد فضاء وظيفي جامد مُعد للاستخدام السريع والمرور العابر.
في المقابل، لا أنكر أبدًا ذلك السحر الخاص الذي تفيض به العمارة المعاصرة حين تكون ذكية، وواعية، وحسّاسة للسياق المحيط بها. فالمباني الحديثة التي تنجح في توظيف التكنولوجيا المتقدمة لتحقيق الاستدامة البيئية والراحة الإنسانية، مع إظهار احترام جلي للنسيج العمراني القائم، تضيف للمدينة بُعدًا عمليًا واستشرافيًا لا غنى عنه. إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الحداثة بوصفها قيمة فنية، بل في تلك "القطيعة" الجافة؛ حين تُشيّد كتل أسمنتية لا تشبه المكان ولا تحاوره، بل تفرض نفسها غريبة عنه.

إن تجربتي للمدينة تصبح أكثر عمقًا وامتلاءً عندما أعثر على ذلك التوازن الدقيق بين الاثنين: تاريخٌ رصين يغمرني بشعور الانتماء، وحداثةٌ مرنة تسهّل تفاصيل حياتي اليومية. عندها فقط، ينعتق المكان من كونه مجرد مسارٍ عابر في جدول المواعيد، ليتحوّل إلى تجربة إنسانية غنية تُعاش بكامل تفاصيلها، وتترك في الذاكرة أثرًا لا يُمحى.
 

عمارةُ الإنسان.. الذاكرة والمستقبل


د. هشام القاسم
متخصص في الإستراتيجيات والنمذجة المعمارية

تمثّل العمارة أحد أكثر أشكال التعبير الإنساني ارتباطًا بالهوية، فهي لا تُختزل في كونها هياكل مادية، بل تُقرأ بوصفها نصًا ثقافيًا يعكس علاقة الإنسان ببيئته، ويجسّد منظومة القيم السائدة في كل مجتمع. ومن هذا المنطلق، يظهر التنوع المعماري في مدننا المعاصرة نتيجةً طبيعية لتراكم تاريخي طويل، تتداخل فيه عمارة تشكّلت عبر الخبرة المحلية، مع أخرى وُلِدت من رحم التحولات التقنية والعولمة المعرفية.
لقد نشأت العمارة التقليدية استجابةً مباشرة لعوامل المناخ والمواد المتاحة وأنماط العيش، فحقّقت بطبيعتها توازنًا بيئيًا ووظيفيًا لافتًا، يتجلى في حلول التهوية الطبيعية، ومعالجة الضوء، وتنظيم الفراغات، بما يضمن الخصوصية والراحة الحرارية. وهي بذلك تقدّم نموذجًا معرفيًا لا يقل أهمية عن النماذج المعاصرة، خصوصًا في ظل التحديات البيئية الراهنة.

في المقابل، أسهمت العمارة الحديثة في إعادة تعريف مفهوم الفراغ المعماري، من خلال توظيف التقنيات الرقمية، وأنظمة البناء المتقدمة، والمواد عالية الأداء؛ مما أتاح مرونة أكبر في التصميم، وقدرة على الاستجابة لاحتياجات المدن المتسارعة النمو. غير أن هذا التقدم، حين يُفصل عن السياق الثقافي، قد يؤدي إلى إنتاج بيئات حضرية متشابهة، تفتقر إلى الخصوصية والذاكرة.
وتنعكس هذه الثنائية بوضوح على تجربة الإنسان للمدينة؛ فبينما تعزّز العمارة التاريخية الإحساس بالانتماء والاستمرارية، تعبّر العمارة المعاصرة عن الحركة والتجدد. وتكمن الرؤية الأعمق في تجاوز المفاضلة بينهما، نحو مقاربة تكاملية تجعل من الابتكار امتدادًا واعيًا للهوية، ومن العمارة أداةً لحفظ المعنى وصياغة مستقبلٍ أكثر اتزانًا وإنسانية.