
ليست المشكلة في بعض المقالات أنها تخطئ، بل في كونها تَعِدُ القارئ بشيء، ثم تمضي في اتجاه آخر تمامًا. فالعنوان، بوصفه العتبة الأولى للنص، لا يعمل هنا كبوابة، بل كإشارة مضللة تقود إلى مسار لا يشبه ما ينتظرنا في الداخل.
في هذا السياق، نشرت مجلة "القافلة" مقالًا للروائي المصري عزت القمحاوي بعنوان "كتب شهيرة لم تُنشر قط". وهو عنوان يضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام توقُّع محدد: الحديث عن مخطوطات ضائعة، أو أعمال لم ترَ النور، أو كتب بقيت حبيسة الأدراج رغم أهميتها. غير أن القراءة تكشف سريعًا أن المقال لا يذهب إلى هذا الاتجاه، بل ينشغل في جوهره بعلاقة الأدب بالسينما، وبحضور الكتاب داخل الفِلم، ليس بوصفه مصدرًا للحكاية فقط، بل عنصرًا دراميًّا فاعلًا داخل بنية السرد السينمائي.
هنا تتشكّل الفجوة الأولى: فجوة بين ما يَعِدُ به العنوان، وما يقدمه المضمون. ينطلق المقال من العلاقة التاريخية بين الأدب والسينما منذ بدايات الفن السابع، لكنه لا يلبث أن ينتقل إلى فكرة أكثر إثارة، تتمثّل في تحوّل الكتاب من مادة خام إلى "شخصية درامية" داخل الفِلم. ويورد أمثلة متعددة يمكن جمعها ضمن هذا التصوُّر، مثل: فِلم (The NeverEnding Story) الذي يقتحم فيه القارئ عالم الكتاب، وفِلم (Stranger than Fiction) الذي يصبح فيه البطل شخصية داخل رواية تُكتب عنه، وفِلم (Ruby Sparks) الذي تخرج فيه الشخصية الروائية إلى الواقع.
هذه الأمثلة تطرح تصورًا مهمًّا يمكن تسميته بـ"تشييء الكتاب" داخل السرد السينمائي؛ أي انتقاله من كونه وسيطًا إلى كونه فاعلًا. غير أن المقال يكتفي بعرض هذه النماذج دون تطويرها ضمن إطار تحليلي واضح يربط بينها. ثم ينتقل إلى مثال مختلف، وهو فِلم "اسم الوردة"؛ وفيه يتحوّل كتاب مفقود إلى مصدر خطر قاتل، في دلالة رمزية عميقة على قوة المعرفة، بيْدَ أن المقال يمرُّ على هذه الفكرة سريعًا دون التوقف عند أبعادها الفلسفية. وفي موضع آخر، يستحضر فِلم (Basic Instinct) الذي تتقاطع فيه الرواية مع الجريمة، وهو مثال يبدو أكثر بُعدًا عن محور المقال؛ إذ ينتقل النقاش من حضور الكتاب داخل الفِلم إلى تأثير الأدب في السلوك.
في هذا السياق، نشرت مجلة "القافلة" مقالًا للروائي المصري عزت القمحاوي بعنوان "كتب شهيرة لم تُنشر قط". وهو عنوان يضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام توقُّع محدد: الحديث عن مخطوطات ضائعة، أو أعمال لم ترَ النور، أو كتب بقيت حبيسة الأدراج رغم أهميتها. غير أن القراءة تكشف سريعًا أن المقال لا يذهب إلى هذا الاتجاه، بل ينشغل في جوهره بعلاقة الأدب بالسينما، وبحضور الكتاب داخل الفِلم، ليس بوصفه مصدرًا للحكاية فقط، بل عنصرًا دراميًّا فاعلًا داخل بنية السرد السينمائي.
هنا تتشكّل الفجوة الأولى: فجوة بين ما يَعِدُ به العنوان، وما يقدمه المضمون. ينطلق المقال من العلاقة التاريخية بين الأدب والسينما منذ بدايات الفن السابع، لكنه لا يلبث أن ينتقل إلى فكرة أكثر إثارة، تتمثّل في تحوّل الكتاب من مادة خام إلى "شخصية درامية" داخل الفِلم. ويورد أمثلة متعددة يمكن جمعها ضمن هذا التصوُّر، مثل: فِلم (The NeverEnding Story) الذي يقتحم فيه القارئ عالم الكتاب، وفِلم (Stranger than Fiction) الذي يصبح فيه البطل شخصية داخل رواية تُكتب عنه، وفِلم (Ruby Sparks) الذي تخرج فيه الشخصية الروائية إلى الواقع.
هذه الأمثلة تطرح تصورًا مهمًّا يمكن تسميته بـ"تشييء الكتاب" داخل السرد السينمائي؛ أي انتقاله من كونه وسيطًا إلى كونه فاعلًا. غير أن المقال يكتفي بعرض هذه النماذج دون تطويرها ضمن إطار تحليلي واضح يربط بينها. ثم ينتقل إلى مثال مختلف، وهو فِلم "اسم الوردة"؛ وفيه يتحوّل كتاب مفقود إلى مصدر خطر قاتل، في دلالة رمزية عميقة على قوة المعرفة، بيْدَ أن المقال يمرُّ على هذه الفكرة سريعًا دون التوقف عند أبعادها الفلسفية. وفي موضع آخر، يستحضر فِلم (Basic Instinct) الذي تتقاطع فيه الرواية مع الجريمة، وهو مثال يبدو أكثر بُعدًا عن محور المقال؛ إذ ينتقل النقاش من حضور الكتاب داخل الفِلم إلى تأثير الأدب في السلوك.
ملاحظة لم تُحلل بالقدر الكافي
ومع انتقال المقال إلى السينما العربية، يطرح الكاتب ملاحظة لافتة، مفادها أن حضور الكتاب في الفِلم العربي غالبًا ما يكون حضورًا زخرفيًّا، لا يتجاوز كونه جزءًا من الخلفية البصرية، ويربط ذلك بضعف عادة القراءة، ومحدودية الصناعة السينمائية. وهي ملاحظة تستحق التوقف عندها؛ لأنها لم تُستثمر تحليليًّا بالقدر الكافي. وأنا أختلف مع هذا التحليل؛ إذ إن هناك روايات عربية تحوَّلت إلى أفلام مثل: ثلاثية القاهرة (بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية) لنجيب محفوظ، وهي من أشهر الأعمال الأدبية التي تحوّلت إلى أفلام سينمائية خالدة؛ ورواية "اللص والكلاب" في فِلم كلاسيكي من بطولة شكري سرحان؛ ورواية "في بيتنا رجل" لإحسان عبدالقدوس في فِلم من بطولة عمر الشريف؛ ورواية "رجال في الشمس" التي قُدِّمت في فِلم "المخدوعون" لغسان كنفاني، وأفلام أخرى كثيرة.
المشكلة هي في بوصلة العنوان
يختتم المقال بصورة بلاغية جميلة، حين يشبّه العلاقة بين الرواية والسينما بعلاقة الأم بابنتها. غير أن هذه الخاتمة تبقى أقرب إلى المجاز منها إلى خلاصة تحليلية لما سبق. إن أزمة هذا المقال لا تكمن في فقر مادته، بل في "بوصلة العنوان" التي وجَّهت القارئ نحو وجهة غير مأهولة. فلو اختار الكاتب عنوانًا يعكس جوهر أطروحته، مثل "الكتاب بوصفه شخصية درامية" أو "تمثلات الأدب في العمل السينمائي"، لكان قد أنصف نصه أولًا، ووفَّر على القارئ عناء البحث عن "كتب مفقودة" لم يكُن المقصود الحديث عنها أصلًا.
إن العنوان ليس ترفًا لغويًّا، بل هو "عقد قرائي" ضمني بين الكاتب والقارئ، ومن دونه يتحوَّل النص إلى جُزر من الأفكار الجميلة التي تفتقر إلى جسر يربطها بذهن المتلقي. ومع ذلك، يظل المقال مثيرًا لسؤال مهم: هل يبقى الكتاب مجرد مادةٍ خام للسينما، أم أنه سيتحول أكثر فأكثر إلى عنصر درامي داخلها؟ ربَّما يكشف هذا السؤال أن العلاقة بين الأدب والسينما ليست علاقة اقتباس فحسب، بل علاقة حوار دائم، يحاول كل فنٍّ من خلالها إعادة اكتشاف ما يحتاج إليه في الآخر.
ومع انتقال المقال إلى السينما العربية، يطرح الكاتب ملاحظة لافتة، مفادها أن حضور الكتاب في الفِلم العربي غالبًا ما يكون حضورًا زخرفيًّا، لا يتجاوز كونه جزءًا من الخلفية البصرية، ويربط ذلك بضعف عادة القراءة، ومحدودية الصناعة السينمائية. وهي ملاحظة تستحق التوقف عندها؛ لأنها لم تُستثمر تحليليًّا بالقدر الكافي. وأنا أختلف مع هذا التحليل؛ إذ إن هناك روايات عربية تحوَّلت إلى أفلام مثل: ثلاثية القاهرة (بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية) لنجيب محفوظ، وهي من أشهر الأعمال الأدبية التي تحوّلت إلى أفلام سينمائية خالدة؛ ورواية "اللص والكلاب" في فِلم كلاسيكي من بطولة شكري سرحان؛ ورواية "في بيتنا رجل" لإحسان عبدالقدوس في فِلم من بطولة عمر الشريف؛ ورواية "رجال في الشمس" التي قُدِّمت في فِلم "المخدوعون" لغسان كنفاني، وأفلام أخرى كثيرة.
المشكلة هي في بوصلة العنوان
يختتم المقال بصورة بلاغية جميلة، حين يشبّه العلاقة بين الرواية والسينما بعلاقة الأم بابنتها. غير أن هذه الخاتمة تبقى أقرب إلى المجاز منها إلى خلاصة تحليلية لما سبق. إن أزمة هذا المقال لا تكمن في فقر مادته، بل في "بوصلة العنوان" التي وجَّهت القارئ نحو وجهة غير مأهولة. فلو اختار الكاتب عنوانًا يعكس جوهر أطروحته، مثل "الكتاب بوصفه شخصية درامية" أو "تمثلات الأدب في العمل السينمائي"، لكان قد أنصف نصه أولًا، ووفَّر على القارئ عناء البحث عن "كتب مفقودة" لم يكُن المقصود الحديث عنها أصلًا.
إن العنوان ليس ترفًا لغويًّا، بل هو "عقد قرائي" ضمني بين الكاتب والقارئ، ومن دونه يتحوَّل النص إلى جُزر من الأفكار الجميلة التي تفتقر إلى جسر يربطها بذهن المتلقي. ومع ذلك، يظل المقال مثيرًا لسؤال مهم: هل يبقى الكتاب مجرد مادةٍ خام للسينما، أم أنه سيتحول أكثر فأكثر إلى عنصر درامي داخلها؟ ربَّما يكشف هذا السؤال أن العلاقة بين الأدب والسينما ليست علاقة اقتباس فحسب، بل علاقة حوار دائم، يحاول كل فنٍّ من خلالها إعادة اكتشاف ما يحتاج إليه في الآخر.
عيد عبدالله الناصر: كاتب وقاص سعودي.
