Hero image

ليس بالمؤسسة وحدها يحيا الإبداع

سبتمبر – أكتوبر | 2026

أغسطس 9, 2026

شارك

تنطوي الكلمة المنسوبة إلى المسيح -عليه السلام-: "ليس بالخبز وحدَه يحيا الإنسان" على معادلةٍ يمكن عكسها بدقةٍ مذهلة على تاريخ الثقافة؛ فالإنسان يحتاج إلى المادة كي لا يموت، ولكنه يحتاج إلى ما يتجاوزها كي يحيا.

في العدد السابق، قدّم الدكتور محمد آيت حنا تحليلًا ثاقبًا لكيفية خلود الأعمال الفنية والأدبية عبر الزمن؛ وهو طرحٌ تعدّى السجال الثقافي ليغدو في قلب مبحث أكاديمي أصيل عُرف في الأوساط الغربية بـ"تكوين المعتمد" (Canon Formation). يتنازع هذا المبحث عادةً اتجاهان: الأول ينسب الخلود إلى "الغربلة الثقافية"، أي ما تقدمه السلطة أو المجتمع أو الأرشيف من اعترافٍ وتمجيد؛ في حين يجنح الاتجاه الآخر، بطهرانيةٍ بالغة، نحو الانكفاء على المقومات الجمالية الذاتية للعمل، بوصفها الضامن الوحيد لصموده أمام امتحان الزمن. والحقيقة أن اختزال سر الخلود في أحد هذين الاتجاهين دون الآخر يُقدّم حقيقةً ناقصة.

وإذا كانت لنسبة الخلود إلى جهود المؤسسات جاذبية خاصة، لما في ذلك من واقعية لا تخطئها العين، فإن الأصل في هذه الحالات هو أن المؤسسة تنقل الجمال ولا تخلقه؛ ففي حين أنها تمنح الشرعية، لا تضفي صفة "الجميل" على الرديء. ولعلّ التاريخ يذكر بوضوحٍ الهيمنة الدعائية لكل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي إبان الحرب الباردة، ومحاولاتهما المستميتة لفرض أعمالٍ أدبية بعينها عبر المقررات المدرسية والإعلام، وإذا بتلك الأعمال تتبخّر ولا تخلّف وراءها سوى ذكرياتٍ عابرة. وفي المقابل، نجد أن أدب ميخائيل بولغاكوف، الذي حاربته المؤسسة الرسمية، ورواية "فهرنهايت 451" لراي برادبوري، ومسرحية "البوتقة" لآرثر ميلر، ظلَّتْ قيد التداول والرواج حتى يومنا هذا، متجاوزةً أسوار المنع والفرض بقوتها الذاتية.

ولو جاز لنا أن نمدّ حبل التساؤل أبعد من ذلك، لوجدنا أن المنطق المؤسساتي يعجز حتى عن تفسير التمايز داخل نتاج المبدع الواحد؛ فالمرحلة الزرقاء عند بيكاسو، أو قصائد المتنبي في بلاط سيف الدولة، نُسجت كلها في سياقٍ تاريخي ورعاية مؤسساتية واحدة، فلماذا لم تخلّد تلك الحقبة كل ما أُنتج فيها؟ ولماذا انتقت الذاكرةُ البشرية لوحةً بعينها أو قصيدةً بذاتها لتسكن الوجدان وتطوي البقية؟ إن هذه الظاهرة تدفعنا نحو تأمل وجود نوع من الانتخاب الطبيعي - الجمالي ضمن مجموعة الأعمال نفسها للكاتب أو الرسّام، قوامه ميزاتٌ داخلية فارقة تخاطب المتلقي بما يتجاوز حدود اللغة والزمن.

يقودنا هذا الانتخاب الطبيعي مباشرةً إلى تلك المنطقة العصية تمامًا على القبض أو التحوير بِيَدِ أي مؤسسة: منطقة "الخبرة الإنسانية الجمالية". وهي الخبرة الروحية الحية التي تحرك القارئ أو المشاهد ليعود إلى العمل مرارًا ليضيء زاويةً معتمة في نفسه؛ فالقلق، مثلًا، شعورٌ كوني يمسّ البشر جميعًا بما يكفي لتتسلَّل "صرخة" مونش إلى وجدان المتلقي وتلامسه، دون أن يعرف شيئًا عن سيرة الفنان أو خلفيته الجغرافية. والسعي نحو العدالة والرحمة هو ما يدفع قارئًا كهلًا لإعادة تأمل التحوُّل النفسي العميق لشخصية "جان فالجان" في "البؤساء" لفيكتور هوغو، بعد أن كان قد قرأها في شبابه مُطارِدًا حبكتها البوليسية وحسب. ولأن الصراع بين الخير والشر في النفس البشرية لا ينزع إلى هوية ضيقة، تجد قارئًا في السعودية ينقبض صدره تجاه "راسكولنيكوف" في "الجريمة والعقاب" لدوستويفسكي، متجاوزًا أميالَ الجغرافيا وفوارق الأديان والترجمة عن لغة وسيطة. هذه القوة الذاتية العابرة للحدود هي نفسها التي تجعل روائيًّا مُكرَّسًا من فرنسا بحجم ماتياس إينار يكتب مأخوذًا بـ"موسم الهجرة إلى الشمال" للسوداني الطيب صالح، وهي التي حركت هيرفي لانسيلان، مؤسس مجلة "آرت كريتيك"، ليعبّر عن انبهاره بلوحات اللبنانية إيتيل عدنان.

ولم تقف محاولات الفرض الخارجي عند حدود السياسة والمؤسسات الرسمية، بل امتدت لتشمل سلطة رأس المال ومنطق السوق، الذي يجتهد في نشر أعمال معينة وتثبيتها قسرًا. ومع ذلك، يثبت التاريخ أن "الأكثر مبيعًا" لا يعني أبدًا "الأمضى خلودًا"؛ وجمهور الأدب يذكر جيدًا رواية "أحزان الشيطان" لماري كوريلي أواخر القرن التاسع عشر في إنجلترا، التي فاقت مبيعاتها أعمال عمالقة من أمثال: تشارلز ديكنز، وجين أوستن، وروديارد كبلنغ، في حين أنها اليوم، تكاد تكون أثرًا بعد عين، ولا نراها إلا في حقول الدراسات الأكاديمية الضيقة. والمصير نفسه طوى مئات الأعمال المعاصرة التي دُمغت أغلفتها بختم "الأفضل مبيعًا" البراق، لتتحوّل اليوم إلى مجرد أرقام منسية في أرشيف المبيعات. الأعمال إذًا لا تخلُد ولا تُخلَّد، بل تملك ما يعينها على الخلود في المقام الأول، ثم تخلّد.

 

راضي النماصي: كاتب وناقد سعودي.

لماذا تُخلّد أعمالٌ أدبية وفنية دون غيرها؟